﴿ صفحه 179﴾

 

«الجزء الثالث»

 

«الدين والمفاهيم الحديثة ، الرقابة الاستصوابية»

 

 

﴿ صفحه 181﴾

 

المقدمة

ان المفاهيم الاجتماعية والثقافية مفاهيم انتزاعية يُطلق كل واحد منها على مجموعة من العناصر والتركيبات، وهذه التركيبات بوصفها اموراً فوقية تقوم على اساس قواعد خاصة بالامكان اعتبارها المنتج لهذه التركيبات. بناءً على هذا، من غير الممكن لدى عرض المفاهيم الحديثة في اسواق الفكر وطرحها في اوساط المجتمع، الاكتفاء بالاشارة الى البُنى الفوقية والتغافل عن الاصل والجذور، لأنه في مثل هذه الحالة ونظراً لوجود الاختلافات البنيوية إما يتعين تهديم القواعد والاصول الثقافية لذلك المجتمع كي يتقبل الامور الحديثة، أو الحرمان من بعض المكتسبات النافعة لسائر الحضارات بسبب اعتراضات ابناء ذلك المجتمع وردود افعالهم الرادعة.

وفي بلادنا حيث يقوم اساس الحكم على الدين واحكامه الشاملة التي تهب السعادة، والشعب الايراني المسلم ليس على استعداد بأي حال للمساومة على اصوله ومبادئه الدينية أو التراجع عن الاسلام وقواعده الفكرية، يجب ان تُطرح المفاهيم الحديثة بدقة وتمعُّن متميزين، وان تخضع هذه المفاهيم للتجديد من حيث البنية الفوقية وكذلك من حيث المباني، كي ينتفع المجتمع الاسلامي من الانجازات الفكرية والتجربية لسائر المجتمعات الى جانب الاحتفاظ على الاصالة الثقافية الذاتية.

من هنا فقد جرى جمع طائفة من الاسئلة الموجهة لسماحة الاستاذ آية الله

﴿ صفحه 182﴾

مصباح اليزدي «مدّ ظلّه» حول علاقة الدين بالمفاهيم الحديثة وبعض التحديات الفكرية الاخرى، ونقدمها بين يدي التوّاقين للثقافة الاسلامية الاصيلة كما فعلنا في الحلقتين السابقتين.

إصدارات مؤسسة الامام الخميني(رحمه الله) للتعليم والبحث

﴿ صفحه 183﴾

 

1 ـ الدين والثقافة

سؤال: ما هو الدين وما هي الثقافة؟ وما هي العلاقة التي تربطهما؟

جوابه: قدّم علماء الدين والاجتماع تعاريف متعددة لمفردتي الثقافة والدين، وان سردها ودراسة كلٍّ منها وعقد مقارنة بين الدين والثقافة وفقاً لكل واحد من هذه التعاريف من الصعوبة بمكان ومدعاة للملل، من هنا لنتفق أولاً على تعريف للدين والثقافة ومن ثم نلج المقطع الثاني من السؤال اعلاه.

 

أ ـ تعريف الدين

حاول علماء الدين ـ ونخصّ بالذكر المسلمين ـ تقديم تعريف كامل للدين، كما قام علماء الاجتماع بدراسات ومطالعات كثيرة حول ما يعنيه الدين وموقعه بين مؤسسات المجتمع؟ هل ان الدين ركيزة اجتماعية أم امر آخر لا يمكن اعتباره ركيزة اجتماعية؟

على أية حال، لا ضرورة لإيراد هذه المقدمة فالمهم بالنسبة لنا ايضاح مفهوم الدين الحق وبيان عناصره ومقوماته لكي نحكم في ضوء وجودها أو فقدانها على ما إذا كان دينٌ مّا حقاً أم باطلاً. بناءً على هذا، حريٌ القول في تعريف الدين ما من شأنه ان يشمل الدين الحق ويصدق على كافة الاديان الالهية ذات الاصالة في زمانها لكنها حُرّفت لاحقاً: «الدين مجموعة من المعتقدات القلبية والوان من السلوك العملي المتطابقة مع تلك المعتقدات» ويشتمل في بُعد العقائد على الايمان بوحدانية الله وصفاته الجمالية والجلالية والايمان بالنبوة والمعاد، وتلك ما يُعبَّر عنها بـ «اصول الدين» أو «اصول العقائد» ويشمل في بُعد السلوك كافة الاعمال التي تتطابق مع المعتقدات والتي تجري وفقاً للاوامر والنواهي الالهية باتجاه عبودية الله

﴿ صفحه 184﴾

سبحانه وتعالى. ويعبَّر عن هذا القسم بـ «فروع الدين».

بناءً على هذا، يمكن القول في تعريف الاسلام باعتباره الدين الحق الوحيد(1): «الاسلام عبارة عن مجموعة من المعتقدات القلبية المنبثقة عن النزعات الفطرية والاستدلالات العقلية والنقلية، والتكاليف الدينية المُنزلة من لدن الباري تعالى على نبي الاسلام(صلى الله عليه وآله) لغرض توفير السعادة الدنيوية والاخروية للبشر»، وهذه التكاليف تشمل كافة الشؤون التي لها دور باي نحو من الانحاء في تحقيق سعادة الانسان في الدنيا والآخرة.

ان هذا التعريف للدين، والاسلام على وجه الخصوص متعارف عليه ومقبول لدى المسلمين.

 

ب ـ تعريف الثقافة

ذكر علماء الاجتماع ما يقرب من خمسمائة تعريف لمفهوم «الثقافة» ومن الصعوبة بمكان التطرق لها على انفراد وتدارس نقاط القوة والضعف لكل من هذه المعاني ومقارنتها الى الدين، ونحن هنا نطرح ثلاثة تعاريف كلٌّ منها يشتمل على عدد كبير


1. لدى السؤال لماذا الدين الحق واحدٌ لا اكثر؟ ينبغي القول: الدين ـ وكما تقدم ـ ذو شقين: العقائد والافعال المتطابقة معها، والعقائد في حقيقتها تحكي عن الحقائق التي يزخر بها عالم التكوين، أي هنالك حقاً في عالم الوجود إلهٌ واحدٌ له صفاته المختصّة به، وانبياء هم حقاً مبعوثون من لدن الباري تعالى لهداية البشر، وعالمٌ بعد هذا العالم يُسمى الآخرة. وهذه الامور بأسرها تعد ثمرة التأملات العقلية المعمقة في عالم الوجود التي تؤيدها الفطرة والكتب السماوية التي لم يطلها التحريف ومن بينها القرآن الكريم.

ومن ناحية اخرى، ان الله تعالى الذي غايته من خلق الانسان بلوغه الخير والكمال، قد وضع احكاماً وتكاليف بنحو تتحقق فيه مصلحة من مصالح الانسان بادائه لأيّ منها، وتُطوى خطوة في طريق الكمال الانساني، وكما يُعبّر فان «الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية»، ومن المسلّم به ان طريق الوصول الى تلك المصالح والكمالات سيوصد بتحريف هذه الاحكام أو تغييرها، وذلك سيتناقض مع الهدف الذي يتوخاه الله سبحانه وتعالى من الخلقة.

من هنا مادام الدين متضمناً لهذين الشقين وبعيداً عن اي تحريف، فانه سيكون الدين الحق، وبما ان الاديان باسرها هي من لدن الباري تعالى وهنالك حقائق متماثلة تؤلف الكون، اذن لا مجال لاحتمال وجود نوعين من الدين الحقّ على مر التاريخ يتناقضان في جميع تفاصيلهما أو بعضها.

﴿ صفحه 185﴾

من التعاريف ثم نتطرق بالبحث لعلاقة كلٍّ منها بالدين.

تعرَّف الثقافة في بعض التعاريف على انها شاملة للعقائد والقيم والاخلاق وألوان السلوك المتأثرة بهذه العناصر الثلاثة، وكذلك الآداب والتقاليد والاعراف الخاصة بمجتمع معين. وفي النمط الآخر من التعاريف تعتبر الاداب والتقاليد اللبنة الاساسية للثقافة، وتعرّف الظواهر المجرّدة للسلوكيات دون الاخذ بنظر الاعتبار مرتكزاتها العقائدية على انها ثقافة المجتمع. واخيراً تعرَّف الثقافة في طائفة اخرى من التعاريف بانها العنصر الذي يمنح حياة الانسان المعنى والاتجاه.

 

ج ـ علاقة الدين بالثقافة

بعد معرفة الانواع الثلاثة من التعاريف للثقافة نقول:

اذا ما قيس الدين ـ بوصفه مجموعة من المعتقدات القلبية والسلوكيات العملية المتطابقة مع تلك المعتقدات ـ مع النمط الاول من التعاريف المتقدمة، فهو يعتبر جزءاً من الثقافة، لان الثقافة وفقاً لهذه الرؤية تشمل العقائد القلبية الدينية وغير الدينية وتشمل كذلك السلوكيات والاخلاق والآداب والتقاليد الدينية وغير الدينية. من هنا يعتبر الدين جزءاً من الثقافة ويدخل في منظومتها.

أما اذا قسنا الدين مع الصنف الثاني من التعاريف، فبما ان ظواهر السلوك والآداب والتقاليد تعتبر وفقاً لهذا الصنف من التعاريف على انها الثقافة، فيمكن أن تعرف علاقة الدين بالثقافة باعتبارهما مجموعتين تشتركان في بعض العناصر فقط، ووفقاً لهذه الرؤية لا الدين يشكل جزءاً من الثقافة بشكل تام ولا الثقافة تدخل ضمن مجموعة الدين.

ربما يمكن القول ان تعريف الثقافة بالعنصر الذي يمنح حياة الانسان المعنى والوجهة هو افضل ما يقال منطقياً في تعريف هذه المفردة، ولكن ينبغي وقبل كل شيء ان نوضح ما المراد من قولنا: ان هذا يمنح الحياة معنى؟

﴿ صفحه 186﴾

لو قارنّا بعض تصرفات الانسان مع تصرفات الحيوانات سنجد تماثلاً في طبيعة هذين النمطين من التصرفات بالرغم من بعض الفوارق الظاهرية، فعلى سبيل المثال: ان كلاً من الانسان والحيوان يسعيان حين الجوع وراء الطعام وسد الجوع والشبع، ولكن في نفس الوقت بالرغم من حصول الانتقال المكاني وحالة الشبع لدى الانسان والحيوان على حدٍّ سواء ربما ينطوي تصرف الانسان على قيمة ما سواء كانت ايجابية أم سلبية، فاذا ما سرق المرء ـ مثلاً ـ طعام غيره وسدَّ جوعه به فان عمله هذا يعتبر سرقة وغصباً وتجاوزاً على حقوق الآخرين وهو برمته ينطوي على قيمة سلبية.

وكذلك الامر في المجتمع الديني هنالك مجموعة من السلوكيات ذات قيمة ايجابية أو سلبية، فالغيبة وافطار شهر رمضان ـ على سبيل المثال ـ لهما قيمة سلبية في الاسلام، والمحافظة على السرّ والصيام لهما قيمة ايجابية، والملاحظة الجديرة بالاهتمام هنا هي: لماذا يعطي الناس في المجتمعات الدينية بعض الاشياء قيمة سواء كانت ايجابية او سلبية ـ بالاضافة الى الامور التي يرى سائر الناس حسنها أو قبحهاـ؟ وبتعبير افضل: ما هو مصدر الحسن والقبح؟

ان من ابرز المسائل الفلسفية واكثرها جدلاً في العالم هو هذا السؤال: هل القيم نابعة من العقود الاجتماعية أم من امور واقعية وتكوينية؟ هل كون الامور القيمية ذات معنى ناشئ عن العقد أم عن حقائق يرشدُ العقل والوحي الناسَ نحوها؟

من البديهي ان هاتين الرؤيتين تولدان ثقافتين مختلفتين: ثقافة ترى تابعية معنى القيم للعقد الاجتماعي، وبالتالي فانها ترى الاخلاق والامور القيمية «نسبية» ومتغيرة وتابعة لاهواء الانسان، وثقافة ترى تابعية معنى القيم لامور واقعية مستقلة عن إقبال الناس وإعراضهم. وهذه الامور الواقعية هي التي ملأت عالم الكون بأسره ويمكن تشخيصها بارشاد من العقل والوحي ولا يَعتَريها التغيير بتغير اذواق الناس.

بناءً على هذا، فكون حياة الانسان ذات معنى انما ينجم عن طبيعة رؤية الانسان

﴿ صفحه 187﴾

للكون والانسان، أو بتعبير آخر انه تابع لـ «رؤيته الكونية ومعرفته الانسانية» فالرؤية الكونية بدورها تبلور «النظام العقائدي» و«النظام العقائدي» يبلور «النظام القيمي».

بما ان الافعال الاختيارية للانسان تابعة لارادته وان ارادة البشر انما تصاغ في ضوء طبيعة رؤيتهم والنظام القيمي الذي يحظى بقبولهم، فان سلوكيات الانسان ستكون هي الاخرى تابعة للنظام القيمي الذي يرتضيه.

وخلاصة القول، ان المعنى الذي يطبع حياة الانسان منوط باداء افعال وممارسات يؤطرها نظام قيمي خاص بالمجتمع وتأتي في ضوء معتقدات ذلك المجتمع ونظامه العقائدي. وبما ان الرؤية الكونية الحقة الوحيدة ـ استناداً للرؤية الاسلامية ـ وتبعاً لها النظام العقائدي والقيمي الصحيح هو الاسلام وحده، فاننا ـ اعني المسلمين ـ نرى ان الدين هو العنصر الذي يمنح حياة الانسان معناها ووجهتها. من هنا فان الثقافة في الصيغة الثالثة من التعاريف الآنفة الذكر تنطبق على الدين، إلاّ ان نرى مركبات الثقافة اقل من مركبات الدين، كأن نرى ـ مثلاً ـ مركبات الثقافة هي النظام القيمي والسلوكيات السائدة في المجتمع الديني، وفي مثل هذه الحالة ستدخل الثقافة في منظومة الدين وتكون تابعة له.

ولا يخفى أن القيم تعرَّف احياناً في البلد ذي المجتمع الديني بمعنىً أوسع مدىً من القيم الدينية، وفي مثل هذه الحالة سيبلور لدينا نمطان من القيم، الاول: القيم الثابتة التي لا تقبل التغيير وهي التي تنبثق عن المعتقدات الدينية، والثاني: القيم المنبثقة عن الاعراف والتقاليد والعقود الاجتماعية وهي تقبل التغيير والتبدل، ولكن من الواضح جداً ان التغير في الطائفة الثانية لا يمس بسوء القيمَ الثابتة التي لا تتغير، وذلك لانبثاقهما عن مصدرين مختلفين.

* * * * *

﴿ صفحه 188﴾

 

2 ـ علاقة الدين بالحرية

سؤال: ما هي علاقة الدين بالحرية؟ وهل يجب اعتبار الدين مقدَّماً على الحرية أم العكس اذ تكون الاصالة للحرية، ويصبح الدين تابعاً لها؟

جوابه: لقد تصور البعض اصالة الحرية وتقدمها على كل شيء ومن بين ذلك الدين، لاننا اذا ما اعتبرنا الدين أصلاً والحرية جزءاً منه لن نكون احراراً لدى اعتناقنا للدين، وبتعبير آخر ان الاقتناع باصل الدين ـ شأنه كأي عمل اختياري آخر للانسان ـ انما يكتسب قيمته ويستحق الاجر والثواب الالهي عندما يكون عن حرية واختيار، واذا ما اعتبرنا الحرية فرعاً وتأتي بعد الدين في شأنها فان لازم ذلك فقداننا الحرية عند ايماننا بالدين وبالتالي يصبح عملنا خالياً من الاختيار، بينما يتعين ان يتم اختيار الدين بحرية وعن ايمان باعتباره عملاً اختيارياً له جذوره في صميم قلب الانسان وليس بالامر الذي يُمكن فرضه على أحد بالقوة والاكراه، من هنا يقول تعالى في القرآن الكريم: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(1).

بناءً على هذا فان الاصالة للحرية وهي مقدمة على الدين وان وجود الدين وشأنه انما يكتسب معناه في ظل الحرية.

وحيث ان الحرية تتقدم الدين في شأنها، والدين وليد الحرية ومتمخضٌ عنها فلا قدرة له أبداً على تقييدها، وذلك لعدم قدرة النتيجة والفرع على تقييد اصله ومصدره، وهو بفعله هذا انما يقضي على اعتباره ايضاً، وعليه يجب ان يتمتع الناس في الاوساط الدينية بكامل الحرية، ولا حقّ لأحكام الدين وقوانينه في تقييد الحريات.

ان شطراً من الاستدلال اعلاه كلامٌ حقٍّ وشطره الآخر ليس سوى سفسطة يسهل تشخيصها بقليل من التأمل، فالشطر الاول من الاستدلال الآنف الذكر والقائل بان


1. البقرة: 256.

﴿ صفحه 189﴾

انتخاب الدين في ظل اجواء وظروف حرّة هو الذي يحظى بالقبول ويتميز بقيمته، ويتوسل بالآية (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) تأييداً لذلك لهو كلامٌ موجه، بيد ان الشطر الثاني المتضمّن في بقيّة الاستدلال والذي يوحي بوجوب صيانة الحرية بعد القبول بالدين بحيث لا يتسنى لاحكام الدين المساس بها، انما هو مغالطة ليس إلا.

ولايضاح الأمر اكثر حريٌ القول:

لقد جرى في هذا الاستدلال الخلط بين مرحلتين أو شأنين من الحرية: أحدهما الحرية قبل اعتناق الدين، والآخر الحرية بعد اعتناق الدين، فتلك الحرية التي تمثل شرطاً في الانتخاب والقدرة على الانتخاب تتقدم على الدين في مرتبتها وينتفي الانتخاب الحر بدونها، أما الحرية التي تلي انتخاب الدين فستدخل في اطار الدين وتتقيد بحدوده. وبتعبير آخر، بعد ان اختار الانسان الدين بحرية وارتضى الدين بمنظومته التي تشمل الشؤون العقائدية والاحكام العملية ايضاً واذعن لمستلزمات هذا القبول المتمثلة بالعمل والمسير في اطار هذه المعتقدات والاحكام العملية، يكون قد جعل من نفسه تابعاً لاوامر الله تعالى ونواهيه بكل حرية.

ويقع نظير هذا الأمر في الكثير من الشؤون الحياتية للناس، فعلى سبيل المثال: ان الناس ينضمون بحرية واختيار للعمل ضمن القوات المسلحة أو قوى الأمن الداخلي، لكنهم وبعد الالتحاق والقبول الحرّ بالقوانين والمقررات السائدة في القوات المذكورة لا يجوز لهم تجاوز هذه القوانين والمقررات ولا يسعهم اتخاذ القرار بما يحلو لهم.

وتثار هذه المغالطة احياناً بمسحة وصبغة دينية واستناداً لبعض الآيات القرآنية لتحظى بمزيد من المقبولية، والآيات من قبيل:

1 ـ «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر»(1).

2 ـ «وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل»(2).


1. الغاشية: 22.

2. الانعام: 107.

﴿ صفحه 190﴾

3 ـ «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ»(1).

4 ـ «إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً»(2).

5 ـ «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ»(3).

انهم وباستدلالهم بهذه الآيات يصرخون باسم الحرية وكأنهم ـ والعياذ بالله ـ احرصُ من الله على حرية الانسان! غافلين عن ان هنالك آيات تقابل الآيات الآنفة الذكر تصرح: «وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»(4)، أو الآية: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»(5).

وقد بيّن المفسرون باجمعهم تقريباً هذه الآية بان قرار النبي مقدمٌ على ما يقرره الناس، واذا ما قرر امراً فلا يحق للآخرين مخالفته.

ربما يُتصوّر للوهلة الاولى وجود تضارب بين هذه الطائفة من الآيات، بيد أن من كانت لديه ادنى معرفة بالقرآن ومن خلال الرجوع الى سياق الطائفة الاولى من الآيات وما قبلها وما بعدها يدرك عدم وجود أية علاقة بين مورد هذه الآيات وبين موضوع الحرية ليقع تهافت بينهما، وانما هي في مقام مواساة النبي(صلى الله عليه وآله)، فنظراً لان النبي كان مظهر الرحمة والرأفة الالهية فقد كان كثير القلق لعدم قبول الناس طريق الحق والاسلام وكان يتجرع الحسرات وكأنه يكاد يهلكُ نفسه، ففي مقام مواساته للنبي(صلى الله عليه وآله) يقول تعالى: «لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ»(6). لقد انزل الله سبحانه وتعالى الطائفة الاولى من الآيات ليهب النبي(صلى الله عليه وآله)الطمأنينة.

* * * * *

بناءً على هذا، فان القول بهزيمة الدين حيثما وقف بوجه الحرية انما يفتقد السند القرآني ولا يمكن العثور على ما يؤيده من المصادر الدينية، كما ان الطائفة الاولى من الآيات لا تثبت دعاوى ذوي الرأي المخالف وان استنباطاتهم هي من المصاديق البارزة لـ «التفسير بالرأي».


1. المائدة: 99.

2. الانسان: 3.

3. الكهف: 29.

4. الاحزاب: 36.

5. الاحزاب: 6.

6. الشعراء: 3.

﴿ صفحه 191﴾

 

3 ـ الاسلام والمجتمع المدني

سؤال: ما المراد من المجتمع المدني مقارنة بالمجتمع الاسلامي؟ وهل للمجتمع المدني موقعٌ في الدين والمجتمع الديني؟

جوابه: للاجابة على هذا السؤال ينبغي أولاً ان نقدّم توضيحاً لكلٍّ من مصطلحي «المجتمع المدني» و«المجتمع الاسلامي» ومن ثم نتطرق للعلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع الاسلامي.

 

أ ـ المجتمع المدني

للمجتمع المدني معان متعددة، فقد طُرحت هذه المفردة قبل ما يقرب من الفين وخمسمائة عام وفي كل حقبة يظهر لها تفسيرٌ، وعلى هذا المنوال يأتي الوضع الراهن. على اية حال، سنشير الى ثلاثة من المعاني المتداولة والمتعارفة حالياً للمجتمع المدني ليتسنى لنا من خلالها العثور على الاجابة المطلوبة:

أ ـ المجتمع المدني في قبال المجتمع البدوي غير المتحضّر: ويُطلق المجتمع المدني هنا على المجتمع الذي يسود فيه القانون والضوابط على سلوكيات المواطنين وليس لأحد فيه الحق بادانة أو معاقبة الآخرين وفقاً لمعاييره وذوقه الشخصي. وربما يسع القول ان الذين يركّزون على سيادة القانون في المجتمع المدني انما مرادهم هذا المعنى من المجتمع المدني.

ب ـ يعني المجتمع المدني ذلك المجتمع الذي يتبنى ابناؤه الحد الاقصى من واجباتهم الاجتماعية طواعية وبهذا فهم يخففون من اعباء الحكومة. ان هذا المعنى من المجتمع المدني ينسجم تماماً مع الاسلام، وان وجود مؤسسات التربية والتعليم ذات الطابع الشعبي والمستشفيات وسائر دوائر الخدمات ذات النفع العام لاسيما

﴿ صفحه 192﴾

الاوقاف يحكي بجلاء عن مدنية المجتمع الاسلامي.

ج ـ المجتمع المدني بمعناه المعاصر: وفيه يستقل جانبٌ من الحياة العامة للناس عن الحكومة ويسير في اطار الجمعيات والنقابات والاحزاب والتنظيمات والمحافل الثقافية... الخ وتؤدي دور الوسيط بين المواطن والحكومة. وللمجتمع المدني في ضوء هذا المفهوم طابع ثقافي خاص لا ينسجم نوعاً ما مع الثقافة الاسلامية، وذلك لارتكازه على اسس خاصة وهي عبارة عن:

1 ـ العلمانية (فصل الدين عن كافة الميادين الاجتماعية) وهو يعتبر أول المرتكزات الفكرية للمجتمع المدني، فاذا ما قيل ان هنالك مجتمعاً مدنياً فذلك مما يعني قدرتنا على التقنين بصيغته التأسيسية، أي نتولى نحن التقنين فيما يخص اسس الحياة بدءاً من ميدانها الفردي وانتهاءً بالميادين الاجتماعية، والخطوة الاولى في هذا المجال ان نتحرر حتى من القيود الدينية على صعيد كافة شؤون حياتنا.

2 ـ محورية الانسان «هيومانيزم»، المرتكز الآخر للمجتمع المدني هو محورية واصالة الانسان ومصالحه في كافة المجالات وبمقتضى ذلك يوظف كلّ شيء لخدمة الانسان حتى الدين فهو مطلوب ويحظى بقيمته مادام يكفل للانسان راحته النفسية ولا يتضارب مع مصالحه، وقيمة كلّ شيء انما تحدد في ضوء منفعته للانسان.

3 ـ نسبية القيم والمعرفة: في ضوء هذه الرؤية ليس ثمة معرفة أو قيمة مطلقة وثابتة، ففي البعد العلمي ليس لأحد القدرة على القول بان معرفته ورؤيته حق مطلق وان كانت تلك الرؤية نابعة من حكم العقل القطعي أو النصوص الدينية القطعية وغير المحرّفة.

وكذلك في البعد القيمي فليس هنالك قيمة ثابتة ومطلقة، وانما القيم تتغير باختيار الناس وارادتهم، بل الغالبية منهم، لذلك فان القيم التي ارساها العقل على مرّ الحياة البشرية، أو القيم التي يرى الوحي اعتبارها وعدم قابلية تغييرها، انما تحظى

﴿ صفحه 193﴾

بالاعتبار مادامت مقبولة لدى الاغلبية وإلاّ تكون نسبية ويمكن تنحيتها جانباً.

4 ـ محورية الطبيعة (في الحقوق)، والمنفعة (في الاخلاق) والعقلانية بمعناها السلبيّ الذي يطرد كلَّ ما لا يناله العقل العاديّ. كل هذه وسائل اخرى لهذا الاتجاه الفكري، ونترك الخوض في تفاصيلها تحاشياً للاطالة في الحديث.

اليوم وبعد التطورات التي هيمنت على مجمل الثقافة الغربية في التوجهات الليبرالية، يقال: يجب ان يتمتع الناس بالمزيد من الحرية في حياتهم وتتقلص الالتزامات القانونية ـ التي من شأنها تقييد الحريات ـ الى ادنى مستوى لها، وكما يعبَّر، يجب أن يكون تدخّل القانون «في الحدّ الادنى»، بناءً على هذا يتعين ان يكون للدولة ادنى حدٍّ من التدخل في شؤون الناس، فالدولة مكلفة باقرار النظام الاجتماعي والحيلولة دون وقوع الفوضى فقط كي ينال كل انسان في ظل ذلك اقصى حدود الحرية.

الشعب هو الذي ينهض بالدور الاساس في ادارة المجتمع حيث يمارس ذلك في اطار الاحزاب، والتنظيمات، والمجالس والاتحادات أو الجمعيات وشركات القطاع الخاص، وتمتد دائرة هذا الدور لتشمل كافة الشؤون سواء الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والفنية والعسكرية... الخ، فيتقلّص عبء الدولة ومسؤوليتها الى ادنى مستواها ولا يحق لها التدخل أو التصدي للامور إلاّ في الحالات الضرورية التي لا قدرة للشعب عليها، وما عليها فقط إلاّ تمهيد الارضية الكفيلة بكافة النشاطات على اختلافها وتتولى الاشراف فقط لئلا تُمس حقوق الناس وحرياتهم، وتتحقق مشتهيات المواطنين على احسن وجه.

وكما تقدم القول فان الافتراض المسبق للمجتمع المدني في الغرب هو علمانية الحكومة ـ أي عدم كونها دينيّة ـ وعليه يتعين على الحكومة أن لا تُقحم الدين والقيم واحكام الدين في أي شأن من شؤون المجتمع ولا يحق لها مساندة أي دين، بل عليها ان تكون منحازة ازاء الاديان جميعاً.

﴿ صفحه 194﴾

وكما هو الحال في الدول ذات التعددية الدينية بما ان رئيس الجمهورية هو رئيس لكافة الشعب فلا يحق له الدفاع عن دين معين ـ وهذا بطبيعة الحال يتناقض مع دستورنا القائم على الدين الاسلامي الحق ويتعين العمل وفقاً للمذهب الشيعي(1) ـ ولا يمتدّ الدين الى أيٍّ من مؤسسات الدولة ومنظماتها ودوائرها، وان الدولة موظفة بان تحول دون تدخُّل الدين في مختلف الامور المتعلقة بالحكومة، الأمر الذي يُشاهد اليوم في امريكا وانجلترا بل وحتى تركيا.

أجل ان الافراد أو المؤسسات الخصوصية وغير الحكومية يسعها ـ بطبيعة الحال ـ الاستعانة بالدين والابعاد الدينية في ادارة الدوائر الخاضعة لهم، بيد ان هذه الامور لا علاقة لها بالدولة وهي خارجة عن دائرة شؤونها، لذلك بمقدور المؤسسات والمدارس الدينية غير الحكومية ان تمارس فعالياتها في مثل هذه المجتمعات.

لا يخفى ان الدافع وراء فكرة اقامة مجتمع مدني في بعض الدول حيث يقترن بتخفيف اعباء الدولة وايكال العديد من الواجبات الى الشعب ربما يكون بوجود اقتصاد مريض في بلد ما حيث تسعى الدولة للتغلب على المشكلات من خلال الخصخصة وتسليم مرافق الدولة الى القطاع الخاص وتقليص تصدي الدولة للامور، وربما ينادي التجار والمؤسسات المالية بالدفاع عن المجتمع المدني تحت شعار الليبرالية الاقتصادية وتقليص قوانين الدولة ومقرراتها سعياً وراء المزيد من الارباح، ولعل هنالك دوافع اخرى تستدعي فرصة اخرى لتناولها بالبحث.

على اية حال، مسير المجتمع المدني في الغرب انما يقوم على اساس فقدان الدين لدوره في الشؤون الاجتماعية، والقانون هو ما يختاره الناس، ولا حقَّ للدين بالتدخل في مقدراتهم السياسية.


1. استناداً للمادة الثانية عشرة من دستور الجمهورية الاسلامية: الدين الرسمي لايران هو الاسلام والمذهب الجعفري، وهذه المادة تبقى الى الابد غير قابلة للتغيير. واستناداً للمادة الثانية من الدستور فان نظامنا يقوم على اساس الاسلام ومعجون به، واستناداً للمادة الرابعة: يجب ان تكون الموازين الاسلامية اساس جميع القوانين والقرارات المدنية والجزائية والمالية والاقتصادية والادارية والثقافية والعسكرية والسياسية وغيرها.

﴿ صفحه 195﴾

ب ـ المجتمع الاسلامي

لقد صوّرت ابحاث علم الاجتماع الاواصر التي تجمع ابناء كل مجتمع بانها تقوم على اسس متباينة، فمنها من تتآصر على اساس الدم أو العرق، واخرى على اساس المصالح الطبقية، وبعضها على اساس الوطنية والقومية، ويتآصر البعض الآخر على اساس اللون، فيما تجتمع اخرى على اساس الاتجاه الفكري، وهنالك أوامر قومية وقبَلية كانت قائمة منذ القدم بين البشر ايضاً.

ان بعض هذه الاواصر ضعيف والآخر قوي، وبعضها لا أساس له ومتواضع في قيمته فيما يتميز الآخر بسموه وقيمته. فالآصرة التي تقوم على اساس سحنة البشرة والدم والعرق ـ مثلاً ـ وايِّ تمايز طبيعي آخر ـ أي غير اختياري ـ متواضعة في قيمتها، أما الآصرة التي تقوم على اساس المعتقدات والقيم الاخلاقية والغايات العملية المشتركة فهي تفوق بقيمتها الآصرة القبَلية، حتى يصل الأمر الى الآصرة التي تتبلور على اساس الايمان المشترك، فالسبب في سمو الايمان باعتباره محوراً للتضامن الاجتماعي هو ان قوام الايمان ـ وعلى العكس من سائر المحاور ـ بالوثاق القلبي والعقيدة والعمل، أي البناء الوجودي للانسان برمّته.

لقد جعل الاسلام من الايمان المشترك اساساً للتضامن الاجتماعي بين اتباعه، وأقام بينهم آصرة ولائية وإلهية مستخدماً مفهوم «الأمّة» للتعريف بهم: «وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ»(1).

ان الانتماء للامة الاسلامية أو الخروج منها انما يتحقّق في ضوء الايمان بالولاية الالهية أو رفضها، فمن يبايع امام المسلمين وعبر هذا الطريق يؤمن بولاية الله واحكامه يُعد عضواً في المجتمع الديني، ومَنْ لم يبايع أو نكث البيعة فهو مفارقٌ للامة الاسلامية.

الشرط الآخر للانتماء للامة الاسلامية هو الشعور بالمسؤولية والتكليف، وان


1. المؤمنون: 52.

﴿ صفحه 196﴾

ابناء الامة الاسلامية يراودهم هاجس اداء تكاليفهم قبل ان يفكروا باستيفاء حقوقهم، وعلى هذا الاساس تُرجّح التكاليف الدينية على المصالح الفردية والفئوية والمهنية والطبقية... الخ.

ان قائد الامة الاسلامية يتحمل مسؤولية المساعدة على تكامل الجماهير وتوجيه الامة، وينبغي ان لا يتركز هدفه على مجرد ادارة المجتمع ـ بمعنى المحافظة على الواقع القائم أو إقرار النظم الاجتماعي لإنعاش احوال الناس في هذا العالم ـ بل يتحتم عليه السير بالمجتمع قُدُماً نحو التكامل ايضاً.

من الفوارق الجوهرية بين النظرية الدينية ونظرية الغرب العلمانية فيما يتعلق بأمر الحكومة والرؤية الاجتماعية، هو هذا الفارق في الغايات، فهدف الحكومة الغربية لا يتعدى توفير المتطلبات الأولية ـ من مأكل ومسكن وملبس... الخ ـ وبالتالي التنمية والتطور، بيد ان الحكومة الدينية تنشد بالاضافة الى هذا الهدف هدفاً اسمى وارفع وهو عبارة عن توفير مقومات تنامي الفضائل والكمالات الانسانية وإعداد الظروف المؤاتية لعبادة الله وتذليل العقبات التي تحول دون عبودية الحق تعالى وازالة سلطة الطواغيت. والهدف الاول ـ تحقيق الازدهار المادي وبسطه ـ انما يكون مقبولاً ـ في الحقيقة ـ باعتباره مقدمة وآلية لبلوغ الهدف الثاني ويدخل في اطار لا يتناقض مع مهمة بلوغ الهدف الثاني ـ وهو الهدف السامي للانسان ـ بناءً على هذا يتعين مراعاة القيم والاحكام الاسلامية بدقة متناهية لدى تحقيق الهدف الاول ايضاً.

لنرَ الآن هل بالامكان تقديم معنىً للمجتمع المدني ينسجم مع المجتمع الديني؟

 

ج ـ مكانة المجتمع المدني في المجتمع الإسلامي

بادئ ذي بدء حريٌ بنا التذكير باستحالة المواءمة بين المجتمع الديني والمجتمع المدني الغربي في ضوء الاسس التي يقوم عليها الثاني، لان الفرضية المسبقة

﴿ صفحه 197﴾

للمجتمع الديني هي سيادة الدين والاحكام الالهية في كافة المجالات الفردية والاجتماعية، بينما الفرضية القائمة في المجتمع المدني الغربي هي فصل الدين ورفض حاكميته في الاصعدة الاجتماعية، وهنالك تناقض وتضاد تام بين هاتين الرؤيتين.

بناءً على هذا اذا ما استطعنا الحصول على معنىً لمجتمع مدني تُرسى قواعده على اساس مقتضيات مجتمعنا وفي ضوء مفهوم «الامة» وضرورياتها من قبيل «الامامة» و«الولاية» اصبح بالوسع المواءمة بين هذين المفهومين. فلابد في البداية من تدارس ما الذي نصبو اليه من المجتمع المدني وما هو الهدف من اقامته؟

يبدو ان الاهداف المتصوَّرة من إقامة المجتمع المدني في اوساط الامة الاسلامية في هذا العصر هي عبارة عن:

1 ـ حصول الجماهير على حقوقها.

2 ـ استقطاب المشاركة الجماهيرية في الاعمال والارتقاء بالقدرة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للامة.

3 ـ الاستعانة بالافكار والرؤى في تصحيح المناهج والقرارات والخطط وتطويرها.

4 ـ الحد من المفاسد الادارية والاجتماعية والحيلولة دون تجاوز الدولة على الشعب.

5 ـ القيام بالواجبات الاجتماعية من قبيل النصيحة لائمة المسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

6 ـ ارشاد الجماهير وتربيتها.

7 ـ التخفيف من اعباء الدولة في تصديها للامور ومسؤولياتها.

في ضوء الاهداف الآنفة الذكر والتي تمثل في واقع الأمر مهام المجتمع المدني، يتسنى وعبر التمسك بضروريات الانتماء للامة، إقامة المجتمع المدني في صلب

﴿ صفحه 198﴾

الامة الاسلامية. فالمجتمع المدني يخلق بين ابناء مؤسساته أواصر من شأنها بلوغ الاهداف اعلاه، غير أن أواصر الامة الاسلامية هي التي تسود تلك الاواصر، وهذا يعني رجحان التزام الافراد بالامة الاسلامية وقيادتها على التزامهم بمؤسسات المجتمع المدني أولاً، وان اهداف ومهام المجتمع المدني ليست على حدٍّ سواء باجمعها، فتلك الطائفة من المهام التي تصب باتجاه توفير المزيد من مصالح الامة تترجح على الطائفة التي تصب باتجاه تلبية المصالح الفردية والفئوية المحضة.

ليس من الضروري ان يكون المجتمع المدني علمانياً لغرض بلوغ اهدافه، اذ ان التزامه الديني لا يمثل عقبة امام نيله غاياته، وانما هذا الالتزام الديني يحول دون الانفلات المطلق والحرية في التقنين الاساسي في كافة ابعاد الحياة الانسانية، فعملية التقنين الاساسي في الامة الاسلامية ليست بالامر الذي يتم وفقاً لرغبات الناس، لما يقتضيه ذلك من اهمال للاحكام والقوانين التي شرعها الباري تعالى. بناءً على هذا، يتعين ان تحصل عملية التقنين في المجتمع الاسلامي في اطار القوانين الاسلامية القطعية وان لا تتنافى مع الاحكام الالهية. وبتعبير آخر، بعد أن ارتضى الناس الانتماء للامة الاسلامية بحرية ومدّوا يد البيعة لقائدها، فانهم يتمسكون بمقتضيات ذلك ـ وهي التحرك في اطار الموازين الاسلامية ـ ومَثلُ هذا كأيِّ تضامن اجتماعي آخر يفرز التزامات بالنسبة لابناء المجتمع.

ان شرعية كافة المؤسسات في نظام الحكومة الدينية ومن بينها المجتمع المدني مستمدة من الله سبحانه الذي هو ولي الكون بأسره ومدبّره، وعليه فالذين تصوروا وجود مصدرين للشرعية في دستور الجمهورية الاسلامية، احدهما من الاسفل يصوغ جمهورية النظام، والآخر من الاعلى يحقق اسلاميته، انما هم خاطئون جداً.

ان جمهورية النظام أمرٌ يتعلق بكفاءة النظام، واسلاميته تتعلق بشرعيته. وان المجتمع المدني يستمد شرعيته من النظام الديني فيما يستمد النظام الديني كفاءته من المجتمع المدني، وفي مثل هذه الحالة لن يحصل تناقض بينهما (المجتمع المدني

﴿ صفحه 199﴾

والمجتمع الديني) وسيوظّف المجتمع المدني باتجاه تطبيق احكام الدين واضطراد كفاءة النظام الاداري والارشادي في المجتمع الاسلامي، ويحافظ في نفس الوقت على الحقوق والمصالح المشروعة لابنائه ايضاً.

لعل الذين يتّخذون مدينة النبي منطلقاً للمجتمع المدني الذي ينشدونه يحملون مثل هذه الرؤية، لان المجتمع المدني اذا ما استُلهم من مدينة النبي اذ ذاك ستسود المجتمع القيم والاحكام الاسلامية الواردة في مثل هذا التعريف للمجتمع المدني، وحقاً ستكون التضحية بالنفس في محلّها من اجل اقامة مثل هذا المجتمع.

* * * * *

﴿ صفحه 200﴾

 

4 ـ المرونة والعنف في الاسلام

أ ـ بحث في التساهل والتسامح

سؤال: ماذا يعني التسامح والتساهل الديني؟ وهل ان روايات من قبيل «بُعثتُ بالحنفيّة السمحة السهلة»(1) تدل على امكانية ان يتحلى الناس والحكام بالتسامح والتساهل لدى عملهم باحكام الدين؟

جوابه: من الامور التي ينبغي ان تحظى بالاهتمام في مضمار الثقافة والفكر، صياغة المعاني بشفافية وازاحة الغموض عن المفاهيم وتجنب استخدام المفردات الفضفاضة. فاذا لم يتضح المعنى الدقيق للمفردات ودائرتها، ربما يصبح ذلك سبباً لسوء الفهم وبالتالي يجعل الكلام أو المقالة مضلّلة، لذلك ومن خلال معرفة هذا الأمر ينبري البعض وعبر استخدامهم للمفاهيم الغامضة لتضليل مخاطبيهم ليتسنى لهم عن هذا الطريق تحقيق منافعهم الشخصية والفئوية والتصيّد بالماء العكر.

من هنا، فان انجع السبل للحيلولة دون اساءة الفهم، صياغة مثل هذه المفاهيم بشفافية وتسليط الاضواء على حدودها، ومفردتا «التسامح والتساهل» من هذا القبيل.

من الناحية اللغوية تعني التسامح والتساهل ابداء الليونة، والمجاملة والعمل بما ينسجم مع رغبة الطرف المقابل والتهاون. فلننظر ما اذا كان هذا المعنى خليقاً بأن يُلصق بالدين أم لا؟ واذا لم يكن الأمر كذلك فايُّ منحىً يتخذه الحديث النبوي المتقدم وامثاله؟

من الظاهر للعيان عدم صحة الصاق التسامح والتساهل بالمعنى الآنف الذكر بالدين وتعذُّر القبول به، لان احكام الدين انما شُرعت بالاساس لضمان منافع


1. بحار الأنوار: 67/ 166.

﴿ صفحه 201﴾

الانسان الدنيوية والاخروية، وثمة علاقة عليّة وتكوينيّة وحقيقيّة بين العمل الدقيق والكامل بهذه الاحكام وتحقق تلك المنافع التي شأنها كأي نتيجة اخرى يتوقف حصولها على توفير المواد الاولية والظروف الخاصة بها. فبلوغ المنافع الفردية والاجتماعية للانسان اخرويها ودنيويها منوط ايضاً بالعمل الدقيق والصحيح بتلك الاحكام ودون نقص أو تهاون.

ان الاسلام دين جامع وشامل اوضح بدقة الواجبات المنوطة بالمسلمين في كافة المجالات العبادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ومن بين ذلك اهتمامه بطبيعة تعامل المسلمين مع بعضهم وتعاطيهم مع المعاندين والمشركين. وهو يدعو المسلمين للالتزام بالحدود والقيم الالهية في علاقاتهم، ولم يكتف الاسلام بعدم القبول بادنى تسامح أو تساهل في الالتزام بهذه الحدود والعمل بالتعاليم الالهية، وانما نهى بكل صراحة عن التساهل والتهاون في تطبيق القوانين والاحكام الالهية، فعلى سبيل المثال، الخطاب الوارد في القرآن الكريم والموجَّه للمسلمين فيما يتعلق بتطبيق حد الزنا:

«الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِد مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَة وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»(1).

استناداً للآية المتقدمة يجب عدم التأثر بالعواطف حين تطبيق الحد الالهي، والتمهيد لانتشار الفساد من خلال التهاون في تطبيق الحدود الالهية، ففي مثل هذه الحالة سيطال الانحراف المجتمع الديني والانساني.

كما وضعت الاحكام الاسلامية ضوابط معينة للتعامل مع المعاندين والمشركين ولا تسمح بادنى تهاون أو مجاملة بشأنهم، فعلى سبيل المثال ايضاً، يأمر القرآن الكريم في ظل ظروف خاصة:


1. النور: 2.

﴿ صفحه 202﴾

«وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ»(1)، أي اقتلوا المشركين والكفّار المحاربين والناكثين للعهد الذين اعتدوا عليكم وعلى ممتلكاتكم حيثما وجدتموهم.

بناءً على هذا اذا كان التسامح والتساهل يعني الاهمال في تطبيق احكام الدين أو التهاون والمجاملة ازاء إضعاف وهتك حرمة القوانين والقيم الاسلامية ـ العقائدية منها والاخلاقية ـ فهو مما لا يقبله الدين اطلاقاً وان الاسلام ينبري لمقارعته بشدة، كما ان المجاملة والمرونة حيال اعداء الاسلام والنظام الاسلامي الذين يرومون توجيه ضربة للنظام واضعاف معتقدات الناس، أمرٌ لا يطيقه الدين والنظام الديني أبداً، ولا يحق لايٍّ من منتسبي الدولة أو غيرهم ممارسة مثل هذا التسامح والتساهل.

أما ما روي عن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله) فهو تنويه لمنّة الشارع المقدس ورأفته بالمسلمين، وبعبارة اخرى ان الله سبحانه وتعالى قد منَّ على الناس بالتساهل في مرحلة تشريع الاحكام وسنّ القوانين، ولم يشرّع الاحكام الاسلامية بنحو يتعرض معه العباد للشدائد والصعاب التي لا تطاق. وكنموذج على ذلك، فقد شرَّع التيمم إذا كان في الوضوء واستخدام الماء ضرر على الانسان لأي سبب من الاسباب، وذلك للحيلولة دون حصول عارض أو ضرر للانسان، وكذلك رفع أي حكم يوجب العسر والحرج «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج»(2).

وبشكل عام فان منظومة الاحكام الاسلامية احكام سهلة وسمحة، وبهذا المعنى فقط تأتي السهولة الدينية.

اذن السهولة الواردة في حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) والاحاديث المشابهة له انما يقصد بها مقام تشريع الاحكام الذي هو بيد الله سبحانه وليس لأحد التدخل وتمرير ذوقه في هذا المقام أبداً، والسماحة في هذه المرحلة انما هي من صلاحيات الباري تعالى وحقّه بالذات. أما التساهل والتسامح الديني بمعنى التهاون في تطبيق التعاليم الدينية والعمل بها، أو المرونة ازاء عملية اضعاف الاحكام والمعتقدات الدينية أو التصرف


1. البقرة: 191.

2. الحج: 78.

﴿ صفحه 203﴾

بما ينسجم مع رغبة الاعداء والمعاندين ـ وذلك بأجمعه على صلة بمرحلة التطبيق وفعل الناس ـ فهو مما لا موقع له في الدين أبداً.

ولا ننسى هذه الملاحظة من ان التحلي بالتساهل والمسامحة ازاء الذين لا يضمرون للاسلام والمسلمين العداء والعناد ليس محبذاً فحسب بل الاسلام يوصي به ايضاً كى تلين قلوب الكفار من غير المحاربين المعاندين تحت ظلال الرحمة والرأفة الاسلامية وينجذبوا نحو الاسلام والمسلمين:

«لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»(1).

بناءً على هذا، اذا ما اردنا التحدث عن التسامح والتساهل في الدين فان مصداقه الصحيح تلك الحالات التي لا يكون فيها الآخرون معاندين واعداءً للاسلام والمسلمين وللنظام الاسلامي.

 

ب ـ الدين واللجوء الى الشدة والعنف

هل للعنف موقع في الاسلام؟ وهل الجهاد وتطبيق الحدود والمراتب العليا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مصاديق العنف المذموم؟

للاجابة على هذا السؤال علينا أولاً ايراد مقدمة ليتضح من خلالها هل ان كل نوع من العنف مذموم ولابد من إدانة كل اشكاله، أم ان بعض صور العنف تعد من مستلزمات الحياة الاجتماعية وسيتفكك بناء النظام والامن في المجتمعات في حالة عدم ممارستها؟

ان الانسان مخلوق اجتماعي بالطبع، وان البشر يندفعون نحو الحياة الجماعية لغرض تلبية متطلباتهم المادية والمعنوية، ومن خلال بناء المجتمعات يحاولون التنعم بوجه افضل بمكتسبات الحياة الاجتماعية والتفاعلات الانسانية وكذلك


1. الممتحنة: 8.

﴿ صفحه 204﴾

استثمار حصيلة جهود الآخرين بتسليم ما يقابلها من اثمان أو تقديم خدمة متبادلة، لتحقيق تطلعاتهم بمزيد من السرعة والسهولة وبنحو اكثر ملائمة عن هذا الطريق. ولكن هنالك على الدوام أناسٌ يحاولون استغلال جهود الآخرين دون عناء وضمان مآربهم ومصالحهم عبر اهمالهم ومصادرتهم لحقوق الآخرين ومصالحهم، كما ان طبيعة مثل هذه الحياة الجماعية وجود التزاحم والتضارب بين مصالح الناس. من هنا تقع هنالك سجالات على صعيد المجتمع يتحتم وضع حدود وسنّ قوانين للحيلولة دونها.

بناءً على هذا، فالهدف المتوخى من الحياة الاجتماعية، وهو التنعم الامثل بمواهب الطبيعة من اجل بلوغ التكامل المادي والمعنوي للانسان ـ ولأبناء المجتمع كافة ـ انما يتحقق بوجود القانون الذي يحدد لكلٍّ من ابناء المجتمع حقوقه وواجباته.

يتم في البداية ابلاغ القانون ـ الذي يمثّل مجموعة من الواجبات والمحظورات التي ترسم طريقة تعامل الانسان في الحياة الاجتماعية ـ لأبناء المجتمع ليعدّوا بامتثالهم له مقومات الانتفاع الصحيح والتام من الحياة الاجتماعية، لكننا نعلم جيداً ان في المجتمعات وعلى مر التاريخ أناساً كانوا ولازالوا يتجاهلون القانون، وبمصادرتهم لحقوق الآخرين يعرّضون النظام والامن والاستقرار في المجتمع للخطر.

من هنا فان البشر وبمقتضى عقلهم يرون ضرورة وجود قوة تكفل تطبيق القوانين والتصدي للخاطئين، ولهذا السبب يبادرون لتأسيس قوة مقتدرة مهمتها تطبيق القانون وكذلك تحديد العقوبات الخاصة بالمتخلفين عن القانون. وان وجود قوى الامن الداخلي والشرطة وتشكيل السلطة القضائية والمحاكم والحكم بالسجن والنفي... الخ، يأتي كل ذلك بهذا الاتجاه ولغرض تحقيق هذين الهدفين. ومن ناحية اخرى ان حالات التطاول والاخطار الخارجية التي تهدد من خارج الحدود أمن

﴿ صفحه 205﴾

البلاد ووجودها ونظامها الاجتماعي، أو بعض الازمات الداخلية الكبرى تجعل من الضروري وجود جيش مقتدر في كل مجتمع لكي يتدخل في الوقت المناسب ويقرّ الامن والنظام ويحافظ عليهما.

بناءً على هذا، هنالك في جميع بلدان العالم آليات وقوات تنبري لمجابهة حالات انتهاك القانون والتجاوز على حقوق الآخرين أو الاخطار الداخلية والخارجية، فتتصدى لها وتتعاطى معها بكل اقتدار وبما يتناسب مع حجم الجريمة وطبيعتها، وفي بعض الحالات تلجأ الى ممارسة بعض العقوبات أو حتى القمع والحرب وبذلك تحافظ على حقوق الناس وأمن المجتمع. من هنا مادام اللجوء للقوة أمراً لا مناص منه ويأتي على ايدي الجهات المسؤولة وبصيغة قانونية فهو مقبول لدى كافة الانظمة في العالم.

والاسلام بدوره يصوّب هذه السيرة العقلائية ويضع عقوبات لمواجهة الذين يهددون المسلمين في ارواحهم واموالهم أو المواطنين من غير المسلمين في المجتمع الاسلامي. وان الاسلام ـ بطبيعة الحال ـ لا يرى اقتصار حياة الانسان على الحياة الدنيا ولا منافعه على المنافع الدنيوية بل هو يعتقد ان الله سبحانه وتعالى يريد من الانسان وحياته في هذا العالم ان تكون مقدمة لغاية اسمى هي الحياة الاخروية الخالدة الدائمة، ويحفظ لكافة البشر حقّهم في التكامل وبلوغ السعادة الابدية. وعليه فان القوانين التي يشرّعها لحياة الانسان ببعديها الفردي والاجتماعي انما تأتي عبر الاخذ بنظر الاعتبار المنافع الدنيوية والاخروية للانسان.

من هنا لا يطيق الاسلام مخالفة قوانينه الفردية والاجتماعية، وبالرغم من اعتباره التمرد على الاحكام الفردية ـ ما لم تتخذ المخالفة طابعاً اجتماعياً نتيجة التظاهر بها أمام الآخرين ـ جريمة اخلاقية ويُرجئ الحساب عليها حتى يوم القيامة، لكنه يعتبر مخالفة قوانينه الاجتماعية جريمة حقوقية يضع عقوبات وحدوداً لمرتكبيها ولا يسمح في بعض الحالات بالرأفة بحال المجرمين اطلاقاً:

﴿ صفحه 206﴾

«الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِد مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَة وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ...».

ان ممارسة العنف أو اي فعل آخر يخرج عن اطار القانون يعد نوعاً من الاجرام وهو مرفوض، وفي ظل نظامنا الاسلامي حيث القانون عبارة عن الموازين الاسلامية والقوانين المسنونة في اطار الاسلام، تعد أية مخالفة لهذا القانون جريمة.

استناداً الى ذلك، يصبح اللجوء للقوة في بعض الحالات مقبولا سواء في الانظمة غير الدينية أو في ظل النظام الاسلامي ولا يُمكن التخلي عنها بصورة مطلقة وكاملة، ففي مثل هذه الحالة سيتعرض أمن الناس في مجال أموالهم وانفسهم ومعنوياتهم للخطر وتضيع مصالح البلاد وحقوق المواطنين، لذلك ليس للقوة بذاتها قيمة ايجابية ولا قيمة سلبية بل ان تقييمها خاضع لظروفها واسباب ممارستها.

من المناسب هنا ان نتحرى رأي القرآن بهذا الصدد كي نتعرف بمزيد من الدقة وعلى احسن وجه على الرؤية الاسلامية.

لا وجود لمفردة «العنف» في القرآن الكريم ولكن استخدمت بدلاً عنها مفردتان أُخريان هما «الغلظة» و«الشدّة» وكلتاهما مرادفتان للعنف.

وتعني مفردة الغلظة كما صرّح بذلك اللغويون: الخشونة، الشدّة، الاستغلاظ، والحدة في الطبع، وتستخدم ضد الرقّة(1).

وتعني الشدّة ايضاً الغلظة، التشدّد، والتصلب وهي تستخدم ضد الرقة(2).

وبالتالي فان مفردة العنف تعني الشدّة والغلظة والحدّة وتستخدم في مقابل الرقة(3).

لقد استخدمت مفردتا الغلظة والشدّة ـ كما صرّح بذلك المفسرون ـ في الاستخدامات القرآنية بمعناها اللغوي، فقد ورد ـ على سبيل المثال ـ في الآية 73


1. راجع: لسان العرب، تفسير الكشاف، مجمع البيان، التفسير الامثل.

2. نفس المصدر.

3. راجع: لسان العرب.

﴿ صفحه 207﴾

من سورة التوبة والآية 9 من سورة التحريم:

«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ».

أو ما جاء في الآية 123 من سورة التوبة:

«... وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ...».

وورد كذلك في الآية 29 من سورة الفتح:

«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ...»

هذه الآيات ونظائرها تحكي عن جانب الارغام في الاحكام الاسلامية التي تطبّق في محلها ووفقاً للضوابط التي يضعها الشرع المقدس.

بناءً على هذا، بالرغم من ان الاسلام دين الرحمة والعطف وان الله تبارك وتعالى ارحم الراحمين والقاعدة الاولى في الاسلام تقوم على الرأفة والرحمة، بيد ان ذلك لا يعني أبداً انكار أي نوع من التعامل الحازم واللجوء الى القوة والشدّة في محلّها، لذلك فان حديث الذين يصفون الاسلام بانه يرفض كل اشكال الغلظة واللجوء الى القوة ـ وان كانت في محلّها وبأمر من الله سبحانه وتعالى ـ يفتقد السند القرآني والاسلامي.

يصرّح القرآن الكريم: ان النبي(صلى الله عليه وآله) والمؤمنين يتميزون بالشدة والغلظة في مواجهة الكافرين ولا يبدون مرونة أبداً ازاء المتعرضين للحدود العقائدية للمسلمين. وان تعاملوا مع اخوتهم أي الذين يعترفون بالاصول والقيم الاسلامية بالرأفة والرحمة.

وعليه، ان استخدام الشدة ازاء الذين ينتهكون حرمة الاسلام واحكامه النورانية أو يعرّضون للاخطار ارواح المسلمين واموالهم وكراماتهم، ليس من مصاديق العنف ببعده السلبي، بل هو من خصال النبي(صلى الله عليه وآله) والمؤمنين الصادقين، وهذا التعامل الحازم والصلب الذي يأتي بدافع تطبيق التعاليم الالهية يتحقق في واقع الأمر ضمن اطار الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا أن يكون نابعاً من الاهواء ومواطن الضعف

﴿ صفحه 208﴾

النفسي، وانما للمحافظة على الاحكام والقيم الدينية لا غير. وبما ان السعادة الدنيوية والاخروية للبشر منوطة بالعمل بالدين واحكامه النورانية وان المنفعة أو الخسران المترتبين على العمل أو عدم العمل بالاسلام تعود على العباد وحدهم، فان الذين يقفون بأي نحو كان بوجه تطبيق الاسلام واحكامه والممارسة العملية لهما، انما يعملون في الحقيقة على ايصاد طريق بلوغ التكامل بوجه الآخرين، من هنا يتحتم التصدي لمثل هؤلاء، واذا لم يؤثر فيهم القول باللسان، يجب التعامل معهم بشدة وباذن الحاكم الاسلامي، بل يتعيّن اللجوء الى عقوبة الإعدام بحقهم في بعض الحالات.

بناءً على هذا، ينبغي التمييز بين العنف السلبي وبين الشدّة الاسلامية. وتجنب الوقوع في مصيدة أبالسة الزمان الذين يحاولون ـ بايحائهم انهما على حدٍّ سواء ـ القضاء على الحميّة الدينية والغضب والصلابة الاسلامية المقدسة، والاّ سيصل الأمر بهؤلاء الى ان يصفوا النبي(صلى الله عليه وآله) والائمة الطاهرين(عليهم السلام) بالعنف والعياذ بالله، ويصفون احكاماً من قبيل القصاص على انها غير انسانية، ويعتبرون استشهاد سيد الشهداء في كربلاء ردة فعل الناس ازاء العنف الذي مارسه النبي(صلى الله عليه وآله) في معارك بدر وحنين!!

هل للولي الفقيه ان يلجأ الى القوة في ممارسة الحكومة الدينية؟

ان شرعية الحكومة في القاموس الديني للشيعة نابعة من الاذن الالهي، ورغم ذلك لا تكفي الشرعية وحدها لغرض تحقق الحكومة وتطبيق الاحكام الالهية، لان الحكومة بما تتمتع به من رافد نظري مرموق لن يتيسر تحقيقها ما لم تحظَ بالقبول الشعبي.

ان الذين يتمتعون بادنى معرفة بالتاريخ الاسلامي ليقفون على خواء القول بان الاسلام انما انتصر واقام الحكم بقوة السلاح، اذ ان اساس الدين يقوم على قاعدة التبليغ وارشاد البشر نحو الحياة التي قوامها العقل والمنطق، والآيات القرآنية اجلى شاهد على هذا المدّعى:

﴿ صفحه 209﴾

«إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً»(1)، «وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ»(2)، والآية «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ»(3).

بالرغم من ان النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله) والائمة المعصومين(عليهم السلام) كانوا يتمتعون بالمعجزة والقدرة على ممارسة الحكم عبر الطرق الاستثنائية والتوسل بالقوة الغيبية القاهرة، غير انهم لم يفعلوا ذلك، لان ارادة الاسلام تمثلت في ان يتقبل الناس الاسلام والحكومة الدينية عن بصيرة ووعي. فالحكومة التي تستحوذ على القلوب هي التي ستنال الاستقرار والازدهار «وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ»(4)، فالله سبحانه وتعالى انما بعث الدين والشريعة الى الناس ليقوموا بانفسهم عن بصيرة ومنطق لارساء حكومة العدل والقسط.

يعتقد الاسلام بوجوب بيان الحق للناس وليس لأحد الحق في الممانعة من بيانه، وإن ابى كافة الذين عرفوا الحق الاذعان له.

على اية حال، لو أن قوماً ارتضوا عن بصيرة ووعي الاسلامَ دينَ حق والنبي(صلى الله عليه وآله)أو الائمة المعصومين(عليهم السلام) أو الولي الفقيه حكاماً الهيين فهم مكلفون باقامة الحكم وادارة المجتمع على اساس الحكومة الاسلامية والنهوض لمواجهة الذين بالاضافة الى عدم قبولهم الحكومة الدينية يحيكون المؤامرات ضدها وضد الاحكام الالهية، والدفاع عن كيان الدين والحكومة الدينية ويُجبرون المخالفين على الامتثال والطاعة.

ان الذود عن الحدود الالهية من الواجبات المسلَّم بها التي تتحملها الحكومة الاسلامية وان التقاعس عنها بما يقتضيه من اضعاف للاحكام الاسلامية وايصاد طريق الكمال بوجه ابناء المجتمع أو تشويهه ذنب كبير ولا يُغتفر ستحيق عواقبه بالقائمين على الحكومة الدينية.

وكما تقدَّم القول منا، ان اقتدار الحاكم الالهي والولي الفقيه منبعه الأمة، وان


1. الانسان: 3.

2. المائدة: 99.

3. الكهف: 29.

4. الحديد: 25.

﴿ صفحه 210﴾

المقبولية لدى الامة هي التي تمنح الحاكم القدرة على ممارسة الحكم، لذلك بالرغم من تنصيب النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله) علياً(عليه السلام) خليفة له واماماً للمسلمين في غدير خم، لكن بما انّ هذا التنصيب لم يقترن باسناد الامة ودعمها فقد أُعذر امير المؤمنين(عليه السلام) عن القيام باقامة الحكومة والنهوض بمسؤوليته، بيد اننا جميعاً نعلم بمجرد مبايعة الامة له(عليه السلام)ومدّ يد العون له لتطبيق الاحكام الالهية، وقف أمير المؤمنين(عليه السلام) متوسلاً بالقوة القاهرة ليواجه اعداء الحكومة الاسلامية فوقعت احداث من قبيل معركة الجمل وصفين والنهروان وتجلّت نماذج عملية وواقعية لتعامل الحاكم الديني مع المعاندين.

بناءً على هذا، شرعية الحاكم ـ أي احرازه الحق في الحكم ـ انما تنشأ من الاذن الالهي، ومنشأ القدرة على ممارستها هو القبول الشعبي، وان الحاكم الاسلامي واعتماداً على هذه القدرة المنبثقة عن الامة مكلفٌ بالتصدي لمنتهكي القانون ومخالفيه وارغامهم على الامتثال وطاعة القوانين والقيم الاسلامية.

ولا يخفى ان الحاكم والدولة الاسلامية ليس لهما الحق بالتدخل في الشؤون الفردية والخاصة بالافراد، فالناس احرار في دائرة قضاياهم الشخصية ولا يحق للحكومة التعرض لهم، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ ما لم يتجاهروا بالفسق ولم ينتهكوا حرمة الاحكام والقيم الدينية ـ بما في ذلك الاحكام الفردية للدين ـ امام الملأ العام، لان ارتكاب المعاصي أمام الآخرين من شأنه التقليل من قبح المعصية ويؤدي الى ظهور المفاسد والمخاطرة بمصالح الناس والمجتمع، وهو في واقع الأمر سيهدر حقوق الآخرين في بلوغ الكمالات والمنافع الدنيوية والاخروية.

اذن بمقدور الولي الفقيه والدولة الاسلامية التصدي للمفاسد وحالات انتهاك القانون، وذلك بالتذكير والكلام أولاً، فان لم ينفع لجأ لفرض القانون باستخدام القوة القاهرة.

* * * * *

﴿ صفحه 211﴾

 

5 ـ الدين والافكار الالتقاطية (القراءات المتعددة والبدع)

سؤال: ما هو الفكر الالتقاطي؟ وما هي علاقته بالبدعة في الدين؟

جوابه:

أ ـ تشابه الفكر الالتقاطي مع البدعة

الالتقاط تعني في اللغة التناول والاخذ من الارض، والفكر الالتقاطي يُطلق على نمط معين من التفكير، ولايضاح هذا النمط من الفكر لابد لنا من ايراد مقدمة هي:

يؤكّد اصحاب الفكر والرأي على القول بأنه: «خليقٌ بكل مفكر الادلاء برأيه في حقل اختصاصه» ويعتقدون بوجوب استطلاع رأي الخبراء في كل فنٍّ اذا ما اتخذت الموضوعات طابع التخصصية. ولكن ربما يبرز في مقام العمل احياناً أُناس يتجاهلون القاعدة العقلية الآنفة الذكر فيدلون بآرائهم في مختلف المجالات التي لا تعد قطعاً من اختصاصهم.

تقوم هذه الطائفة من الناس بانتقاء رؤية معينة من بين النظريات المطروحة في كل حقل من الحقول، ودون معرفة بالاسس الفكرية للرؤية المنتقاة تتخذ مجموعة من الرؤى كفكر لها وتقدمه للآخرين، وقد يتيسر تشخيص التباين بل وحتى التناقض بين مفاصل هذه الفكرة بقليل من الدقة.

انهم ـ على سبيل المثال ـ ومن خلال ما قاموا به من مطالعات في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع والسياسة والحقوق والفلسفة والدين، يقومون بتسجيل مجموعة من النظريات التي تنبثق كلٌّ منها عن مشرب معين، وهذه النظريات لم تتبلور على اساس التحريات الدقيقة والمعمقة في الاسس الفكرية لها والاخذ بنظر الاعتبار تطابقها أو تناقضها، بل تحظى بالقبول التام لشدة انسجامها مع سليقة مَنْ تولى تدوينها، ومن ثم تأخذ مكانها الى جانب سائر النظريات.

﴿ صفحه 212﴾

ان اهم إشكال يرد على مثل هذه الآراء غير التخصصية هو عدم تجانسها مع بعضها. ولهذا السبب بل للتناقض الموجود فيما بينها ايضاً، فهي عاجزة عن بلورة مجموعة متجانسة من الافكار الصحيحة.

بناءً على هذا فان ما يصطلح عليه «الفكر الالتقاطي» عبارة عن: مجموعة من النظريات المنبثقة عن مذاهب متباينة وربما متناقضة جُمعتْ مع بعضها، ونظراً للتباين في اسس هذه المذاهب والنظريات وقواعدها أو تضادها فبعضها ـ على سبيل المثال ـ منبثق عن المذاهب القائلة بمحورية الانسان، وآخر عن المذاهب التي تؤمن بمحورية الله، وثالث يقوم على اساس اصالة الفرد فيما ينبثق بعضها الآخر من المذاهب القائمة على اساس اصالة المجتمع، بعضها نابع من «الليبرالية» و«فصل الدين عن الدولة»، وتقوم اخرى على اساس محورية الدين ـ فقد وقع بعض اصحاب الفكر الالتقاطي في ورطة التعددية ونظرية ان جميع الاديان والافكار صادقة.

لقد تفشى هذا النمط من التفكير ـ الفكر الالتقاطي ـ في مجتمعنا الاسلامي ايضاً لاسيما خلال نصف القرن الاخير بين اوساط الذين لا يتمتعون بقوة فكرية وقدرة تحقيقية وعلمية كافية، فليسوا قليلين مَنْ هم مسلمون وغير مستعدّين ـ حين الحديث ـ للتنازل عن كل الاسلام والمعتقدات الدينية من جانب، لكنهم من جانب آخر في غاية الانبهار بنظريات الآخرين في شتى المجالات، وهم في نفس الوقت لا يتمتعون بالتخصص في المسائل الدينية بما فيه الكفاية ولا في المجالات التي يدلون بدلوهم فيها.

من الطبيعي ان يستدعي البحث عن الحق في بعض الموارد ان يقوم المرء بمراجعة دقيقة لافكاره لئلا يكون هواه قد غلب منطقه وعقله ـ لاسمح الله ـ ولئلا يقع المرء دون وعي منه في مصيدة الماكرين.

ثمة اصطلاح في الروايات الاسلامية وهو «الاجتهاد بالرأي» وهو عبارة عن ممارسة الحكم المسبَق وتحكيم الرغبات الشخصية في استنباط الاحكام، وهذه

﴿ صفحه 213﴾

الطريقة من الفهم للدين موضع ذم شديد من قِبل هذه الطائفة من الروايات، ويقف في مقابلها الفهم الصحيح والعقلائي للدين وهو المعروف بـ «الفقاهة».

ربما يكون المرء محمّلاً بمجموعة من السوابق الذهنية والرغبات الشخصية قبل قيامه بالتحقيق حول أية مسألة، فان لم يتخلص منها في مقام التحقيق فلن تكون النتيجة الحاصلة من التحقيق اصيلة ونزيهة، من هنا فان إقحام بعض الدوافع الباطنية من قبيل: حب الشهرة، نيل الشعبية والموقع الاجتماعي، أو سائر المصالح الشخصية في عملية الاستنباط من الدين ممّا من شأنه دفع الانسان لتوجيه وتفسير الاحكام والمعارف الدينية بالنحو الذي يصب بالنهاية في صالح مآربه النفسية يُسمى «الاجتهاد بالرأي»، وهذا الفهم للدين هو في الحقيقة إملاءٌ لمعتقد المرء ورأيه على الدين وليس فهماً محايداً وطالباً للحق.

ان اشتراط العدالة والتقوى الى جانب شرط الاجتهاد ـ القدرة على الاستنباط المنهجي والعقلائي من الدين ـ فيما يتعلق بالذين يتصدون للمرجعية الدينية للناس، انما يأتي للحد من «الاجتهاد بالرأي» ومن خلال الجمع بين الاجتهاد والفقاهة وبين العدالة والتقوى بما يحقق الشرط العلمي الضروري وكذلك المؤهل الاخلاقي للاستنباط عن الدين، ستكون لما يُستنبط كنتيجة لهذا التحقيق الحجية على المجتهد ومقلديه.

وهنالك مفردة اخرى تستخدم في العرف الديني تسمى «البدعة في الدين» وهي عبارة عن: نسبة ما ليس من الدين للدين نتيجة للاجتهاد بالرأي والفهم الالتقاطي لمصادر الدين، فكلما قلنا ان الاجتهاد بالرأي هو اقحام السوابق الذهنية والنظريات التي تم قبولها سلفاً في عملية الاستنباط عن الدين، وهذه النظريات بطبيعتها انما تتبلور في عقول المحققين عن مذاهب ومشارب غير دينية أو تتنافى مع الدين ايضاً، وإلاّ لو كانت منبثقة عن الدين وجزءاً منه لما تناقضت مع جوانب الدين الاخرى أبداً.

بناءً على هذا؛ من الممكن اعتبار البدعة نتيجة الفكر الالتقاطي، واعتبار الفكر

﴿ صفحه 214﴾

المذكور نتيجة لتدخل المآرب النفسية والميول الشخصية في معرفة الدين وتفسيره.

لا يخفى بان ما ينسبه اصحاب الفكر الالتقاطي للدين، ونظراً لعدم اقترانه بالفهم الصحيح والمحايد للدين وفقدانه للمقدمات والشروط الضرورية لهذا الأمر، لا حجية له من الناحية العقلية والشرعية لا فيما يتعلق باصحاب هذا الطراز من الفكر انفسهم ولا غيرهم، ولا يقوى على الاجابة عن مساءلة الباري تعالى في الآخرة عن الافعال.

 

ب ـ مفهوم دين الاقلية ودين الاكثرية

ما المراد من دين الاقلية ودين الاكثرية؟ وأيُّ مدىً في حياة الانسان في اطار الثقافتين الاسلامية والغربية؟

بغض النظر عمّا ينطوي عليه اي دين من تعاليم تخص حياة الانسان، وكنظرة خارجية للدين، يتبادر السؤال التالي وهو: في ايٍّ من الموارد ينبغي إلتماس التوجيه والعون من الدين؟

قُدّمت ثلاثة اجوبة لهذا التساؤل، اتخذ الاول منها جانب الافراط، والثاني جانب التفريط فيما نحى الثالث منحى الاعتدال.

 

الجواب الاول

ان ما يقال بان على الانسان استلام الاوامر من الدين في كافة شؤون حياته الفردية والاجتماعية بدءاً من طريقة تناوله للطعام وارتداء الملابس، وبناء الدار والعمران، والجلوس والقيام، والمشي والمنام وانتهاءً باقامة الحكومة، وتحديد واجبات المسؤولين وطريقة ادارة البلاد وكذلك تفصيل الموضوعات العلمية المختلفة، والحصول على المزيد من النجاح عن طريق الدين دون مشقة وتجشم لعناء التحقيق والدراسة.

مثل هذه الرؤية للدين ـ التي ترى الدين مُلزَماً بتلبية كافة متطلبات الانسان ـ

﴿ صفحه 215﴾

تُسمى رؤية «الاكثرية» ونظراً لأن الدين وفقاً لهذه الرؤية يلبي كافة التوقعات فلن تكون للانسان حاجة للاستعانة بقوة العقل، والعمل على تفتّح ما وهبه الله من قابليات.

ان هذا النمط من الفهم للدين خاطئ تماماً وبعيد عن الحقيقة، ولا يقوى على الافصاح عن دين الحق بما يدعو له من اقصاء لعقل الانسان وقدراته ويدّعي لنفسه تلبية كافة متطلبات الانسان.

بعد رفض رؤية الاكثرية للدين، يتبادر هذا السؤال من جديد وهو: ما هي الحدود الحقيقية للدين؟ وما هي الامور التي يُلزَم الانسان فيها باتباع الدين؟ إنه سؤال تسبب منذ عدة قرون مضت بالكثير من السجالات بين رجال الكنيسة والسياسة في الغرب وانتهى في خاتمة المطاف الى وثيقة سلام غير مدونة تمثل في الحقيقة الاجابة الثانية على السؤال المطروح.

 

الجواب الثاني

يقال: ان حياة الانسان تشتمل على بُعدين دنيوي واخروي، وان كلا البعدين منفكان ومستقلان عن بعضهما بنحو لا يترتب أي اثر لسيرة الانسان فيما يرتبط بالدنيا على مصيره الاخروي، فعلى الانسان ان يستلم الاوامر من الدين فيما يخص شؤونه الاخروية وعلاقته مع الله، أما في الشؤون الدنيوية والحياة في هذا العالم فهو مأذون في ان يعمل بما يرتضيه، وهذه هي النظرية العلمانية أو فصل الدين عن الميادين الاجتماعية، والمعروفة بنظرية «الاقلية».

ان هذه النظرية تبدو غير صحيحة ايضاً، فبالرغم من امكانية تقسيم حياة الانسان الى قسمين دنيوي واخروي، وان الدنيوي منها يبدأ منذ الولادة وينتهي عند الموت، والاخروي يبدأ بالموت ويمتد الى ما لا نهاية، وان لكلٍّ من هذين القسمين خصائصه، بيد ان هذا التقسيم لا يعني ان سلوك الانسان وافعاله في الدنيا على

﴿ صفحه 216﴾

قسمين ايضاً: اعمال دنيوية واعمال اخروية ولا علاقة لأيٍّ منهما بالآخر.

ان مثل هذه النظرية ـ التي ترى الدين عبارة عن طقوس فردية أو جماعية تجرى في المعابد من قبيل الكنيسة والمسجد وما شابههما لا غير، ويقتصر على العلاقة الفردية للناس مع الله ولا شأن له بالحياة الاجتماعية ـ بالاضافة الى عدم استنادها لأي دليل صحيح، فهي لا تنسجم بأي حال مع مضامين الاديان الالهية، وكما نعلم ان كل دين حقٍّ ـ بغض النظر عن سعة احكامه وضيقها ـ يدّعي بان الانسان مكلَّفٌ بتنظيم سلوكه وافعاله ببعديها الفردي والاجتماعي حسب احكام ذلك الدين، ولا يمكن للبشر العمل في الدنيا بما يحلو لهم، ويتجلى هذا المعنى جيداً من خلال القاء نظرة سريعة على مضامين الاديان السماوية لاسيما الدين الاسلامي الحنيف.

 

الجواب الثالث

يقال: ان الحياة الاخروية للانسان هي ـ على وجه الدقة ـ ثمرة ونتيجة سلوكه واعماله الدنيوية، أي بمقدور الانسان ان يؤدي اعماله وافعاله بنحو تكون نافعة لآخرته، كما بمقدوره العمل بنحو يلحق الضرر بآخرته. ان الانسان حقيقة متحركة وفي حالة صيرورة وهو الذي يقرر بناءه الوجودي وطبيعة حياته في ذلك العالم بافعاله وسلوكه، ويتعين عليه الالتزام باحكام الدين الواجبة لدى انتقائه لطريقة التصرف. وهذه الرؤية هي ذلكم الفكر الاسلامي الاصيل الذي لا يطيق نظرية «الاكثرية» الافراطية، ولا يقبل نظرية «الاقلية» التفريطية.

وللايضاح نقول ان اعمال الانسان وممارساته تُقسم في الفقه الاسلامي الى خمسة اقسام هي:

1 ـ الواجبات: وهي التكاليف الملزِمة التي أُريد للانسان ان يؤديها على نمط معين من قبيل الصلاة والصيام والحج... الخ.

﴿ صفحه 217﴾

2 ـ المحرمات: وتُطلق على الافعال التي يجب تجنبها وعدم القيام بها من قبيل تعاطي المسكرات والتعدي على حقوق الآخرين... الخ.

3 ـ المستحبات: وتُطلق على الاعمال التي لا إجبار في ادائها غير ان القيام بها نافعٌ لضمان سعادة الانسان، من قبيل النفقات المستحبة وإعانة الفقراء.

4 ـ المكروهات: وهي الاعمال التي من الأولى ترك الاتيان بها وان لم يكن مُلزِماً.

5 ـ المباحات: وتُطلق على الاعمال التي لم يُصدر الاسلام أمراً بها أو نهياً عنها، ولا حثاً أو ترغيباً.

هذه الاقسام الخمسة التي تشتمل على كافة اعمال الانسان الفردية والاجتماعية وسيرته بصغيرها وكبيرها انما تكتسب معناها من خلال العلاقة بسعادة الانسان ومصالحه الدنيوية والاخروية، وبتعبير آخر، ان تلك الطائفة من الافعال والاعمال التي لا مناص من ادائها لضمان السعادة تسمى الواجبات، والطائفة التي لابد من تركها للتخلص من الشقاء والتعاسة تسمى المحرمات، والاتيان بالمستحبات وترك المكروهات مفيد أيضاً في تحقيق السعادة، ولهذا السبب تحظى بالاهمية. اما المباحات فهي امور لا تأثير لها على السعادة والشقاء، والإتيان بها تلقائياً لا يقرّب الانسان من الكمال ولا يبعده عنه.

الآن وفي ضوء التقسيم اعلاه، حريٌ القول: ان كافة الامور التي لا تخضع لالزام الدين باصلها أو كيفية ادائها، تدخل في دائرة تخطيط الانسان وتحقيقه ودراسته، فاتخاذ القرار بشأن اصلها وطبيعة ادائها موكول لعقل البشر وقواهم الفكرية، ليمهدوا من خلال ابحاثهم واستثمار المكاسب العلمية والتحقيقية للآخرين، الارضية لبلوغ المزيد من الكمال وعلى افضل وجه وتحقيق مصالحهم.

من هنا فان الاسلام في الوقت الذي خصص لكل عمل وسلوك بل وحتى لافكار الناس وظنونهم واحداً من هذه الاحكام الخمسة الآنفة الذكر «الواجب، والحرام، والمستحب، والمكروه والمباح» وبذلك فهو يؤطر كافة اعمال الانسان

﴿ صفحه 218﴾

داخل اطار نظامه القيمي، لكنه لا يروم أبداً اخماد جذوة العقل والحيلولة دون حيوية الفكر والطاقات البشرية، بل انه ومن خلال تعابير عديدة يحث الناس على طلب العلم والرقي الفكري والتطور والتقدم والاستعانة بعلم الآخرين وان كانت هذه بعيدة المنال «اطلب العلم ولو كان بالصين».

بناءً على هذا، فالاسلام يرى ان الدنيا والممارسات الفردية والاجتماعية للانسان فيها تمثل مقدمة للآخرة، وان الحياة في العالم الآخر ثمرة وحصيلة عمل الانسان في هذا العالم، وهو لا ينسجم بالمرّة مع الفكر العلماني في الغرب الذي يقصي الدين عن ميدان الحياة الاجتماعية ويمنحه الدور المحصور في حدود العلاقة الشخصية للانسان مع الله.

 

ج ـ اختلاف موضوع القراءات المتعددة للدين مع موضوع تعدد الفتاوى

ماذا تعني القراءات المتعددة للدين؟ وما الفارق بينها وبين تعدد فتاوى المراجع في بعض المسائل؟

تنشأ القراءات المتعددة للدين من فكر التعددية الدينية في البعد النظري، هذا الفكر الذي ربما يحاول اعتبار حقيقة الدين امراً مكنوناً عند الله وحده ولا سبيل للبشر ومنهم الانبياء اليه أبداً، ويوحون بان الاديان الالهية صورٌ متعددة لتلك الحقيقة الواحدة.

يتصور المذهب المذكور ان تعدد الاديان ناجم عن اختلاف الفهم للدين فالمسلم له فهمه الخاص به للدين والوحي الالهي وهو يختلف عمّا لدى المسيحي واليهودي وهكذا العكس؛ وان الدين كحقيقة واحدة وثابتة يختص بالله ولا سبيل أمام الانسان وحتى الانبياء اليه، وما يخضع لحدود معرفة الانسان هو الاستنباط الذهني وفهمه البشري لا غير، فعلى سبيل المثال، كان للنبي(صلى الله عليه وآله)ـ والعياذ بالله ـ فهمه للوحي الالهي والدين بما ينسجم مع الظروف الطبيعية والاجتماعية والقيمية لزمانه، ولم يدرك

﴿ صفحه 219﴾

الدين كما هو عند الله أبداً، وفي مقام التبليغ طرح للآخرين المزيج الناتج عن فهمه الخليط وسوابقه الذهنية وحالاته النفسية.

يقول انصار هذا النمط من الفكر: لعلّنا اليوم وبسبب التطور العلمي نفوق النبي(صلى الله عليه وآله)في فهمنا للدين؛ ويصرّحون في نفس الوقت: ليس هنالك ما يضمن صحة ما يقع في متناول البشر، وعليه فليس لأحد الحق بالادعاء بافضلية فهمه على من سواه. وعلى هذا الاساس ستكون لدينا اعداد من الصراط المستقيم بدلاً من صراط مستقيم واحد، وان القراءات باجمعها رغم تعددها تمثل مظاهر للحق وهي بأسرها توصلنا الى هدف واحد وبالتالي لا افضلية لدين على آخر.

من الطبيعي واستناداً لهذه الرؤية ان الصدق والكذب، والحَسن والرديء، والحق والباطل، والدين الباطل تمثل مفردات لا معنى لها، واستناداً للنظرية المذكورة فان ما يقوله كل فرد أو فئة او طائفة بشأن الدين والله فهو كلّه حقٌ وصادق وان كانت اقاويل متناقضة فيما بينها!

الظاهر للعيان وضوح بطلان نظرية تعدّد الصراط المستقيم وفقاً للتفسير المذكور بقليل من التأمل، وذلك لاختلاف وتناقض الاديان في الكثير من مواضيعها، وحقانيتها جميعاً انما يعني حقانية طرفي النقيض التي يرفضها العقل السليم بشكل بديهي، فليس من عاقل ـ على سبيل المثال ـ يسعه الاقرار بصحّة تثليث المسيحية الى جانب توحيد المسلمين باعتبارهما قراءتين لموجود واحد هو الله.

ما ينبغي الانتباه اليه هنا هو الفارق الجوهري بين هذه الرؤية في مجال نظرية المعرفة ـ حيث ترى نسبية كافة المعارف البشرية ومن بينها المعرفة الدينية وأنها تابعة للذهنيات والفرضيات المعدّة سلفاً المتمخضة عن الابعاد الاجتماعية وغيرها من العلوم ـ وقضية الاختلاف بين الفقهاء في الاستنباط من المصادر الفقهية فيما يخص بعض المسائل الثانوية والفردية للدين، لان كلتيهما تمثلاًن دائرتين منفصلتين عن بعضهما ولا يُمكن أبداً اتخاذ تعدد الفتاوى شاهداً على صحة التعددية الدينية.

﴿ صفحه 220﴾

ان ما يُسمى بالتعددية الدينية ويجري الحديث عنه في البعد النظري تحت عنوان القراءات المتعددة يمثل نظرية لا مبرر لها منطقياً، بينما لا يُعد اختلاف الفقهاء في فهمهم لبعض المصادر الفقهية فيما يخص بعض فروع الدين أمراً طبيعياً فحسب، وانما يعد التغير في فهم فقيه واحد لمصدر فقهي واحد وعبر حقبتين من الزمن وبالتالي تغييره لفتواه ـ وهو أمرٌ نشهد امثلة منه ـ حدثاً طبيعياً. وللمزيد من الايضاح نشير الى ضرورة التفكيك بين نوعين من العلوم والمعارف الانسانية وهي:

1 ـ العلوم الثابتة التي لا تقبل التغيير.

2 ـ العلوم العادية التي تقبل التغيير.

ان بعضاً من علوم الانسان مما لا يتطرق اليه الشك والريبة ولا مجال لاحتمال التغير فيه أبداً، وتوجد نماذج من هذه الطائفة في المعارف العقلية غير الدينية والمعارف الدينية ايضاً، فالانسان ـ مثلاً ـ على يقين بامتلاكه رأساً واحداً في اعلى جسمه ولا يُعثر على عاقل يقول: لقد كنتُ مخطئاً الى الآن حيث كنت اتصور انني امتلك رأساً واحداً، فانا ذو رأسين وهما اسفل قدميَّ!! أو يعتقد بان 4 = 2 + 2 هي قراءة قديمة ويتعين علينا الآن اعتبار حاصل جمعهما يساوي خمسة!. وكذا في اصول الدين وضرورياته فلا يوجد مسلمٌ أبداً يعتقد بان الله اثنان، أو ان صلاة الصبح ركعة واحدة؛ أو بوجوب صيام شهر رجب بدلاً عن شهر رمضان، فالكتب الفقهية مليئة بالاحكام القطعية التي لا تقبل التغيير ولا يشاهد فيها تغيير أو اختلاف في الفتوى.

اما الطائفة الثانية فهي نظريات ظنّية ربما تتأثر بالمنطلقات والبُنى الثقافية والاجتماعية، وقد يكون للعلوم الاخرى دورٌ في تبلورها، فربما تطرأ تغييرات في هذه العلوم بتغير الفرضيات والبنى الثقافية والاجتماعية الخاصة، وعلى هذا المنوال يسير وضع العلوم العادية.

في مجال العلوم والمعارف غير الدينية ليست قليلة النظريات العلمية التي ثبت

﴿ صفحه 221﴾

بطلانها من قبيل مركزية الارض، أو هنالك احتمال في تغيرها، وكذا الامر في الاحكام الفرعية للدين حيث تشاهد نماذج من التبدل والتغير في الفتوى، فعلى سبيل المثال كان السلف من الفقهاء يستنبطون من ظاهر المصادر الفقهية ان ماء البئر ليس كراً وهو يتنجس بملاقاته للنجاسة ويتم تطهيره بسحب مقدار معين من مائه، بينما يعتبر الفقهاء المعاصرون ماء البئر كراً لا يتنجس بملاقاة النجاسة. ومثال آخر على اختلاف الفقهاء في استنباطهم هو ما اذا كان يكفي الاتيان بالتسبيحات الاربع لمرة واحدة في الركعتين الثالثة والرابعة من الصلاة أم تجب ثلاث مرات.

ان مثل هذه الاختلافات في الاستنباط من المصادر الفقهية تعد أمراً ممكناً، بيد ان ما لا يمكن القبول به عقلاً ومنطقاً هو ان نجعل من هذه التغيرات مستمسكاً ونقول: نظراً لما طرأ من تبدل واختلاف في الفتوى فيما يخص هذه الموارد الفرعية، اذن لا قدرة للانسان على امتلاك علم ثابت ويقيني وان كافة علومه عرضة للتغير والتبدل.

هذا النمط من الكلام الذي يعبّر عنه بمغالطة الخاصّ والعامّ هو أشبه بنسج الخيال ونظم الشعر منه الى الاستدلال العقلي والمنطقي. وبناءً على هذا ثمة اختلاف جوهري بين الاختلاف في فتاوى الفقهاء وبين القراءات المتعددة للدين. ولا يمكن اعتبار الاختلاف في الفتاوى من مصاديق القراءات المتعددة للدين، بل ان فكرة القراءات المتعددة للدين بمعناها الذي تقدم ذكره، فكرة هجينة متناقضة منطقياً ولا يمكن تبريرها عقليا.

* * * * *

﴿ صفحه 222﴾

 

6 ـ الاسلام والتنمية السياسية

سؤال: ما هو المراد من التنمية السياسية؟ وما هي نظرة الاسلام بشأنها؟

جوابه: ان لمفهوم التنمية السياسية مكانة مهمة في ميدان السياسة وعلمها، ولكن لم يزل هنالك الكثير من الغموض وعدم الوضوح يلف هذه المفردة(1)، ويمكن القول بجرأة انه ليس هنالك تعريف دقيق وواضح لمفهوم «التنمية السياسية»، ورغم ذلك حريٌ القول: ان التنمية السياسية تتركب من مفردتي «التنمية» و«السياسة»، وان توضيح كلٍّ منهما بامكانه ايضاح مفهوم التنمية السياسية اكثر:

ان التنمية (Development) عبارة عن نشاط يقوم به فرد أو مؤسسة أو مجتمع باكمله بالاستعانة بافضل الآليات والمستلزمات المقترنة بالبرمجة المتكاملة لبلوغ الهدف المرسوم لذلك النظام بسرعة وعلى احسن وجه.

وفي هذا التعريف تمّت الاشارة الى عنصرين احدهما كمّي وآخر كيفي، فقولنا «بسرعة» انما نريد به الكمّ الزماني لبلوغ المنشود، وحيثما كان ما ننشده هو ما ينشده المجتمع بأسره، سيكون ملازماً للمزيد من المشاركة الشعبية لتحقيق الهدف، واما قولنا «على احسن وجه» فنقصد به كيفية بلوغ الهدف، وهذه الكيفية انما تكتسب معناها عبر الآليات والعناية بالبعد القيمي من استخدامها والاهداف المتوخاة.

والسياسة«politics» عبارة عن: القيادة السلمية أو غير السلمية للعلاقة بين الناس، والفئات والاحزاب ـ القوى الاجتماعية ـ والنشاطات الحكومية داخل البلاد، وللعلاقات التي تربط الدولة مع الدول الاخرى على الساحة العالمية(2)


1. عبد الرحمن عالم، قواعد علم السياسة: 123، نقلاً عن لوسين باي Lucian.w.pye.

2. نفس المصدر: 30.

﴿ صفحه 223﴾

والتي تأتي في اطار تحقيق اهداف ومصالح المجتمع وأبنائه.

بناءً على هذا فان مضمار التنمية في بعدها السياسي يتمثل في قيادة وادارة العلاقة بين الافراد والتنظيمات والنشاطات الحكومية والعلاقات الخارجية للبلاد التي انما تقام لكي يبلغ المجتمع اهدافه، وبطبيعة الحال، فان هذه الاهداف وان اشتركت في بعض الامور لكنها تختلف مع بعضها باختلاف الدول، فعلى سبيل المثال، ان غاية بلوغ الرفاه المادي والاقتصادي في بلادنا مقترنة بالتكامل الثقافي والمعنوي وسيادة القيم الاسلامية؛ وبعبارة واحدة: تحقيق السعادة الدنيوية والاخروية للمواطنين التي انما تتأتى في ظل العمل بالاحكام والتعاليم الاسلامية.

بناءً على هذا، فان قوام التنمية السياسية يتمثل في عنصرين احدهما كمّي والآخر كيفي. احدهما «المزيد من المشاركة الشعبية في الشؤون السياسية» والآخر «ادراكهم الافضل للقضايا السياسية»، بيد ان هذه العبارة اصبحت شأنها شأن الكثير من الشعارات الاخرى آلة بيد السلطويين ليفرغوا ـ من خلال تقديمهم تعاريف ومعايير خاصة ـ البلدان المستقلة ذات الثقافة والافكار الخاصة بها لاسيما الاسلام من اصالتها ويمهدوا السبيل لشن الهجوم الثقافي عليها(1).

بيد ان مفهوم «التنمية السياسية» الحاصل من تركيب مفردتي التنمية والسياسة هو مفهوم انتزاعي، والمفاهيم الانتزاعية خاضعة للتعريف والتشخيص كلٌّ حسب معالمها(2)، وهذه المعالم تؤشر ما هي المرحلة من التنمية السياسية التي يمر بها


1. لقد اسهبنا في الحديث بهذا الشأن وكذلك حول استراتيجية العدو لبلوغ مآربه الاستعمارية وذلك لدى الاجابة على السؤال اللاحق من هذه السلسلة.

2. بناءً على هذا، فاننا وبتقديمنا لتعريف مباشر لهذا المفهوم «التنمية السياسية» ندرج فيما يلي المعالم الاساسية له:

أ ـ تنامي حق التصويت والانتخابات الحرّة المتميزة بكثرة المنتخبين.

ب ـ التسييس أو المزيد من المشاركة الجماهيرية في الاحداث السياسية.

ت ـ المشاركة الجماهيرية في مراكز اتخاذ القرار.

ث ـ اضطراد المصالح من خلال الاحزاب السياسية واستتباب الديمقراطية.

ج ـ حرية الصحافة وتطور وسائل الاعلام.

ح ـ توسيع الامكانيات التعليمية.

خ ـ استقلال السلطة القضائية وسيادة القانون.

د ـ محورية الدنيا في الثقافة ـ العلمانية ـ .

ذ ـ قوات مسلحة بعيدة عن السياسة.

وفي المقابل فقد ذُكرت بعض المعالم التي تؤدي الى زعزعة مسيرة التنمية السياسية وهي عبارة عن:

أ ـ الفساد السياسي الذي يصب في المصالح الشخصية.

ب ـ صنمية الحكام.

ت ـ تعظيم وتكريم الفكر الرسمي الحاكم.

ث ـ التزام المسؤولين بخط الحزب الحاكم.

ج ـ التدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد.

ح ـ تسييس القوات المسلحة.

خ ـ المظاهرات الاحتجاجية باستخدام العنف.

د ـ قمع المعارضين.

ذ ـ تفشي الفساد وسوء الادارة.

ر ـ الاغتيالات السياسية.

﴿ صفحه 224﴾

البلد، أفي مرحلة التطور وتكامل المؤسسات الجماهيرية أم مرحلة التنمية المتزلزلة وانهيار المؤسسات(1).

والى جانب تأكيدهم على دور المشاركة السياسية في التنمية، يرى بعض ذوي الخبرة(2) في «المؤسسة» معياراً فريداً في التنمية السياسية. وعلى هذا الاساس فان تلكم الانظمة المزودة بمؤسسات ثابتة ومستقرة ومعقدة ومنسجمة هي التي تعتبر انظمة سياسية متطورة(3)، وبناءً على هذا فقد وصف امتلاك المؤسسات المدنية المتماسكة والمستقلة بانه احدى المزايا المهمة للنظام المتقدم.

وستكون لسعة التنمية السياسية آثارها ايضاً، وقد عدَّ بعض المنظّرين(4) بعض هذه الآثار بما يلي:

1 ـ تغيير الهوية من الدينية الى القومية ومن المحلية الى الاجتماعية.


1. المصدر الآنف الذكر، عبد الرحمن عالم: 127 ـ 129، بقليل من الاختصار والتصرف.

2. صاموئيل هانتينغتن.

3. البروفسور برتران بديع «التنمية السياسية»، ترجمه الى اللغة الفارسية: الدكتور احمد نقيب زاده، ص 82.

4. ليونارد بيندر Leonard Binder.

﴿ صفحه 225﴾

2 ـ تغيير الشرعية من مصدر متعال الى مصدر واطئ.

3 ـ تغيير المشاركة السياسية من النخبة الى الجمهور ومن الاسرة الى الجماعة.

4 ـ تغيير توزيع المناصب الحكومية من مستوى الموقع العائلي والتمييز الى الانجازات والكفاءات(1).

بعد المعرفة الاجمالية لمفهوم التنمية السياسية، يصل الدور لهذا التساؤل وهو: هل تنسجم التنمية السياسية مع الدين والنظام الاسلامي أم لا؟

كما تقدم، فان التنمية السياسية مفهوم انتزاعي يتم تعريفه في ضوء معالمه، ومن خلال نظرة واحدة يتسنى تقسيم معالم التنمية السياسية الى بُعدي الشرعية والكفاءة، وفي مثل هذه الحالة سيَكون التطور تابعاً للتقدم والتنمية في هذين البعدين الاساسيين.

ان الشرعية تعني التوفر على «المبرر العقلاني على الحكومة والامر والنهي الذي يمارسه شخص أو فئة على الآخرين»، وبتعبير آخر، لماذا يمتلك شخص أو اشخاص حق الأمر والنهي على الآخرين؟

كلما كان الجواب على هذا التساؤل اكثر دقة وعقلانية تكون الحكومة اكثر تطوراً وتقدماً من الناحية الشرعية، وقد تحدثنا في الجزء الاول من هذه السلسلة عن معايير الشرعية(2) وذكرنا في معرض نقدنا لها بان افضل ملاك للشرعية هو «الحق الالهي في الامر والنهي والحكم على العباد»، لان هذا الحق متمخض عن حاكمية ومالكية وربوبية (بمعنى انه صاحب الاختيار) لله تعالى التكوينية والتشريعية على الانسان وكافة شؤون حياته. اذ ان الله سبحانه وتعالى وبحكمته البالغة وعلمه اللامتناهي وفضله غير المحدود وضع قوانين ومقررات تُفضي الى مصلحة الانسان وسعادته في هذه الدنيا وفي الآخرة، من هنا سيكون النظام الذي


1. عبد الرحمن عالم، المصدر المتقدم: ص 126.

2. الاستاذ محمدتقي مصباح اليزدي، اسئلة وردود: 1 / 17 ـ 21.

﴿ صفحه 226﴾

يؤسس شرعيته على اساس هذه الرؤية ارقى نظام سياسي.

بناءً على هذا، فان تلك الطائفة من المعايير والنتائج الناجمة عن التنمية التي تستدعي اقصاء المصدر الالهي السامي للشرعية والجنوح نحو غيره من الملاكات تتعارض قطعاً مع الاسلام والنظام الاسلامي ولن تحظى بالقبول أبداً.

أما على صعيد بُعد الكفاءة ـ الذي يشتمل بدوره على عدة معالم من التنمية السياسية ـ فان الفكر الديني يقتضي بان نسير في اطار القوانين الالهية، وبتعبير آخر، ان حكم الله وقانونه هو المقدّم حينما تستلزم مجموعة من الشواخص أو جزء ومفهوم من شاخص واحد تجاهل الاحكام الثابتة والقطعية في الاسلام، ويتم اقصاء المورد الذي يتعارض ويتنافى مع الدين، وكمثال على ذلك، ان احدى افتراضات التنمية ومعالمها علمنة الثقافة ـ أي دنيويتها وسلخها عن الدين ـ ومن الواضح ان مثل هذه المقولة لن تحظى بقبول الاسلام والنظام الديني، أو امور من قبيل حرية الصحافة، فهي موضع قبول مادامت لا تؤدي للاخلال بالاسس الدينية والقيم والعفّة والمصالح العامة والامن الوطني، مثلما ان اضطراد النشاطات السياسية لن يكون مسوغاً للمخاطرة بالوحدة الوطنية ومحاولة الاطاحة بالنظام الاسلامي.

ومن ناحية اخرى، فان القاء لمحة على تاريخ عشرين عاماً مضت على الثورة الاسلامية تبرهن على ان الكثير من مقومات التنمية تعد بحد ذاتها هدية قدَّمتها الثورة الاسلامية بحيث وُصف نظام الجمهورية الاسلامية على انه من اكثر انظمة العالم شعبية وسياسةً، اذ ان اضطراد حق التصويت والانتخابات الحرّة، وازدياد المشاركة السياسية للجماهير في شتى المجالات، وفي مراكز اتخاذ القرار والحرية المعقولة والمقبولة للصحافة... الخ باجمعها كانت من انجازات الثورة الاسلامية الجبارة. اضف الى ذلك ان الشعور بالتكليف الشرعي كعنصر قوي جداً وحافز مضاعف نحو المشاركة في النشاطات السياسية من قبيل المسيرات والانتخابات والتصدي للمسؤوليات وتقديم المعونات المادية والمعنوية والتواجد في جبهات

﴿ صفحه 227﴾

الحرب... الخ انما يتبلور نتيجة لايمان الشعب بالهية واسلامية الحكومة ولن يكون هنالك بديلٌ وعوضٌ عنه اذا ما افتُقد أو تضاءل رونقه.

كما ان استقلال المؤسسات لا يعني عدم تدخل الدين والفكر في بناء المؤسسات داخل المجتمع الديني وعملها وغاياتها، اذ ان فصل دائرة الدين عن دائرة سائر المؤسسات بنحو نعمل في سائر المؤسسات بمعزل عن الدين بشكل كامل، يعد امراً لا ينسجم مع الاسلام الذي له حكمه وقانونه المنسجم مع الهدف من الخلقة على صعيد كافة شؤون حياة الانسان.

بناءً على هذا، الاسلام دينٌ ليس غير متعارض مع التطور والتنمية في شتى المجالات فحسب، بل انه يريد أن يكون الانسان افضل في يومه مما كان عليه في أمسه، غاية الأمر انه يريد هذا التطور والرقي في اطار اصوله واحكامه وقيمه الدينية، لأن السعادة الحقيقية للانسان حتّى في هذا العالم، بالاضافة الى السعادة الاخروية، انما تتحقق عن هذا الطريق، وإلا فان مختلف المشاكل النفسية والاخلاقية والفكرية التي يعانيها الغرب الآن بالرغم من تقدمه الكبير ليس بالامر الخافي على أحد.

وكنموذج ملموس على ما ندعيه هو اسبانيا إبان عصر حاكمية الاسلام فيها، حيث اعترف الغربيون انفسهم بانه لولا التراث الذي خلّفه الاسلام في اسبانيا لبقي الغربيون يعيشون حالة شبه همجية ولما حصلوا على هذه الصناعات والتطور أبداً.

بناءً على هذا، فان تلك الثّلة التي تحاول وصف الدين معارضاً للتطور ويهتفون بـ «تضاد الشريعة مع العصرنة» ويخلصون الى نتيجة مفادها: إما القبول بالتطور والحداثة واقصاء الدين جانباً، وإما الوفاء للدين والتخلف عن ركب التطور والتنمية؛ إما هم يجهلون الاسلام أو يحاولون القضاء على الدين والتدين ومسخهما في الميادين الاجتماعية على اقل تقدير وسيادة العلمانية.

ولا نُخفي ان المسلّم به عند دعاة التنمية السياسية هو «النسبية» في المعرفة

﴿ صفحه 228﴾

بمعنى ان ليس من أحد أو فكر يمثّل حقاً مطلقاً، وعليه لابد من التحلي بالمداراة والتساهل مع مختلف الافكار لان لكلّ مذهب نصيباً من الحق، وان الاستنباط من الدين والنصوص الدينية ليس مستثنىً من هذه القاعدة، ومن ذلك تنشأ ما يصطلح عليها «القراءات المتعددة». اذن التمسك بامور تحت عنوان اصول وقيم دينية لا تحتمل التغيير يعدُّ ضرباً من التعصب والرؤية غير الواقعية.

وللرد على الحديث الأخير نقول: ان اصول الاسلام وكذا احكامه وقوانينه القطعية والضرورية امور ثابتة ومطلقة، ونظراً لقطعية البراهين الدالة عليها ليس هنالك مجال لاستنباطات متعددة، واننا لو لم نفترض هذه الطائفة من المسائل الاسلامية على انها ثابتة ومطلقة لم يبقَ ما نذكره تحت اسم الاسلام.

 

الدوافع الخفية في التنمية السياسية

ما هو دافع البعض في طرحهم لـ «التنمية السياسية وبعض المفاهيم المشابهة لها» في هذا الوقت؟

لغرض الكشف عن ماهية هذه التحركات وكذلك السبل التي تُسلك لبلوغ الاهداف المتوخاة منها، نشير بايجاز لتاريخ الاحداث التي شهدتها أوربا بعد الثورة الصناعية:

ان قصة التسلط في الغرب تبدأ في الحقيقة من عصر الثورة الصناعية في اوربا ـ وان كانت هنالك ميول قبل ذلك في اوربا وكذلك بين سائر الاقوام لغزو البلدان والتسلط على الآخرين ـ عندما حصلوا على الآلات الحديثة في ظل التحام العلم والصناعة والتقنية الحديثة وافلحوا في انتاج اكداس البضائع وباسعار زهيدة من حيث كلفة الانتاج واحتكار الثروة والربح الطائل من خلال بيع هذه البضائع باسعار خيالية.

وبازدياد الربح وبالتالي رأس المال يزداد الاستثمار لغرض الانتاج، وهذا بحد ذاته يمثل دافعاً لكسب المزيد من الربح ورأس المال، وهكذا وبدوران عجلة رأس المال والانتاج يزداد ركام الثروة يوماً بعد يوم.

﴿ صفحه 229﴾

ولكن في المقابل والى جانب تزايد الانتاج ـ العرض ـ ظهرت مشكلتان جوهريتان هما:

1 ـ شحة المواد الاولية للانتاج.

2 ـ تضاؤل معدل الطلب مقارنة بما يُعرض من منتجات.

هذان السببان دفعا الدول الغربية لتفكير باستعمار البلدان الاخرى للحصول على الموادّ الخام من جهة وللظفر بأسواق جديدة لمنتجاتهم من جهة اخرى. وقد استمر هذا التوجه الاستعماري من القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، وفي غضون هذه الفترة تنبّه الغربيون الى مشكلة اخرى وهي انحسار المصادر الطبيعية والقدرة الشرائية في البلدان الخاضعة للاستعمار، فالتقنية والوسائل الحديثة المصدّرة تحتاج الى متخصصين لاستخدامها، من هنا فقد قرروا العمل على رفع القدرة الشرائية ومستوى المعلومات في هذه البلدان، ولهذا الغرض عمدوا الى امرين هما:

الاول: منح هذه البلدان القروض والمساعدات الاقتصادية وتأسيس صندوق النقد العالمي.

الثاني: استقطاب ذوي الكفاءات في هذه البلدان الى الجامعات الاوربية ومن بينها جامعات انجلترا والمانيا وفرنسا.

وكانت المهمة الثانية تأتي بدافع تربية الاخصائيين من ذوي القدرة على استخدام السلع المستوردة من الدول الاستعمارية، مثلما تجري المهمة الاولى بغية رفع القدرة الشرائية لدى شعوب البلدان المستعمَرة ليتم من خلاله تصدير المزيد من البضائع الى هذه البلدان ويحافظ سوق الغربيين على ازدهاره.

بيد ان هذا المنحى لم يكن يروق للمستعمرين على الدوام اذ ان بعض هؤلاء المثقفين اخذوا ينادون بعد عودتهم لبلدانهم بفكرة الدعوة للاستقلال والمطالبة بالتحرر عن الاستعمار الاجنبي، وهذا بذاته كان منطلقاً لمرحلة جديدة وعهد جديد بدء منذ اواخر القرن التاسع عشر وبلغ ذروته في القرن العشرين.

﴿ صفحه 230﴾

وبالرغم من المواجهات المتعددة الوجوه التي جوبهت بها مثل هذه التحركات الاستقلالية، توصّل المستعمرون في نهاية المطاف الى هذه النتيجة وهي ان من الافضل لهم التحلي بقدر من الرؤية الواقعية وبطرحهم لفكرة «العلاقة» بدلاً عن «الاستعمار» يتمكنون في المستقبل من الانتفاع من هذه البلدان ايضاً، ومن بين هذه التحركات الاستعمارية كان مشروع تأسيس منظمة دول الكومنولث « Commonwealth» الذي اقترحته بريطانيا لتبقى المستعمرات التي كانت رازحة لهيمنة الانجليز في السابق وحصلت على الاستقلال فيما بعد، على تعاونها ومشاركتها مع بريطانيا تحت هذه اليافطة، ويستمر الاستعمار هذه المرة باسلوب آخر.

على أية حال؛ لقد اخذت مسيرة المطالبة بالاستقلال بالتصاعد يوماً بعد يوم، وهذا بحد ذاته كان يستدعي اساليب اكثر حداثة للاستعمار، بحيث ان الاستعمار المكشوف تنازل عن موقعه للاستعمار الخفي، وأحد هذه الاساليب الجديدة كان بطريقة ان تتولى الدول الاستعمارية صناعة عناصر واحزاب في الدول المستقلة ـ أو انها كانت تتدخل في عملية صياغة بعض التنظيمات والاحزاب بصورة لم يكن حتى القائمون على هذه الاحزاب يعرفون بتدخل العناصر الاجنبية وتوجيهاتها ـ فتقوم بجمع الناس حولها عبر مناداتها بالشعارات المناهضة للاستعمار، وبعد وصول الحزب الذي تأسس وتبلور بشعار مكافحة الاستعمار الى السلطة يمد يد الصداقة لأسياده الاجانب ويتولى تأمين مصالحهم.

وبمرور الزمن وتنامي التجربة توصل الغربيون الى هذه النتيجة وهي ان استمرار وتجذر الاستعمار واستغلال البلدان الاخرى منوط بمسخ ثقافتها وفكرها بنحو تتغير معه طبيعة الرؤية لدى الناس ويروج الفكر القائم على «محورية الفرد» و«الروح الاستهلاكية» و«اكتناز الثروة» بشكل يشبه ما هو سائد في الغرب وامريكا، ويسود تلك البلدان نظام يتبنى استهلاك وسائل الغرب وتقنيته وهو مرعوب ازاء ما يحققونه من تطور.

﴿ صفحه 231﴾

لو قدِّر لهذين الهدفين أن يتحققا لكان قد ضُمن استمرار الهيمنة، غير ان أحد موانع تحقق الاهداف الآنفة الذكر في الشرق هو «الثقافة الشرقية» القائمة على القناعة والروح الجمعية، من هنا فقد وضعت سهام الغزو الثقافي بتعقيداتها الخاصة بها على لائحة اعمال الغربيين، وفي هذا الصدد برزت الى الوجود فكرة تلازم الثقافة والتكنولوجيا، فكان الادعاء الجوهري لهذه الفكرة: ان لكل تكنولوجيا ثقافتها الخاصة الملازمة لها، وحيثما حلّت التكنولوجيا حلّت معها ثقافتها شئنا أم ابينا، إذن إما ان نقبل بالتكنولوجيا مقرونة بالثقافة أو ان لا نقبل بأيٍّ منهما، ونظراً الى ان التكنولوجيا قادمة من الغرب فلا مناص من ان تحل ثقافة الغرب ايضاً.

لقد اثبتت هذه الفكرة بطلانها في اليابان، لان اليابانيين وبالرغم من قبولهم لبعض التأثيرات عن ثقافة الغرب الغازية، فقد حافظوا وتمسكوا بتقاليدهم واعرافهم وقيمهم الشرقية وثقافتهم واستطاعوا تحقيق تقدم هائل بحيث اختطفوا قصب السبق من الغربيين انفسهم.

وقبل انتصار الثورة الاسلامية في ايران أُثير موضوع تناقض الاسلام والتنمية في اطار سياسة الغرب ذاتها، وقد زعم الذين حاكوا هذه المؤامرة بان الاسلام دين الزهد والقناعة والتقشف، وان التنمية شأنها التطور واستخدام المزيد من الثروة، وعليه من المتعذر المواءمة بينهما، وان الاسلام لا يطيق التنمية، ونظراً لاضطرارنا للتنمية فلابد من ان نضع جانباً الاسلامَ أو جوانبه التي تتنافى مع التنمية على أقل تقدير.

لقد اخذت مثل هذه النغمات تطرق الاسماع هذه الأيام على شكل محاضرة أو مقال أو كتاب... الخ للايحاء بهذه الفكرة وهي تناقض الاسلام مع التنمية، وان صياغة مواضيع من قبيل «تعارض الشريعة مع الحداثة» و«ضرورة نقد الشريعة» وما شابهها مما يمكن ادراجها تحت هذا العنوان.

بالرغم من ان البحث التفصيلي في العلاقة بين الاسلام والتنمية يستدعي مجالا

﴿ صفحه 232﴾

أوسع لكننا نؤكد ان الاسلام ليس لا يعارض التنمية والتطور فحسب بل انه يريد أن يكون المسلم افضل في يومه مما كان عليه في أمسه، غاية الأمر انه ينشد هذه التنمية في اطار قيمه واحكامه النورانية التي تكفل منافع الانسان في الدنيا والآخرة، ولا يرى أي ترابط بين التطور والتنمية وبين القبول بالثقافة الغربية.

على سبيل المثال، لقد كان المسلمون إبان عصر همجية الغرب وبربريته، حملة لواء العلم والصناعة في العالم، وباذعان الغربيين انفسهم، لولا التراث الذي خلّفه الاسلام في اسبانيا لبقي الغربيون يعيشون حالة شبه همجية ولما نالوا نصيبهم من الصناعة والتطور.

واليوم فان انصار فكرة تعارض الاسلام مع التنمية يحاولون وبشكل مشبوه اشاعة هذه الفكرة في المجتمع وهي ان «التنمية الاقتصادية تقترن بالتنمية السياسية والثقافية».

ان لنا فهماً خاصاً لهذه المفاهيم اذ اننا نتصور ان المراد منها المضي قُدُماً بهذه المفاهيم الثلاثة باتجاه تحقيق اهداف النظام الاسلامي، غير ان مراد هذه الحفنة من الخطباء والكتّاب مفهوم خاص لهذه المفردات يؤول الى فرض الثقافة الغربية على الثقافة الاسلامية.

ان استهداف العقول بالمنثورات على اختلافها، والكتب والنظريات العلمية داخل الجامعات من ناحية؛ وقولبة عقول الطلبة المبعوثين الى الخارج ـ الذين يدرسون في فروع من قبيل الاقتصاد وعلم الاجتماع والحقوق والعلوم السياسية ليرددوا ما يقوله الغربيون بدقة بعد عودتهم الى البلاد ـ من ناحية اخرى، كل ذلك يعد من اساليب الهجوم الغربي وجرّ البلاد ثانية كي ترزح تحت هيمنة المستعمرين.

كما يجري الايحاء بصور مختلفة إما التخلف عن ركب التطور والحضارة أو التخلي عن الحميّة الدينية والتحلي بالتساهل والتسامح على صعيد القضايا العقائدية والاقتصادية والسياسية التي ربما تستبطن عقبات دينية ـ وان كان ذلك من مزاعم

﴿ صفحه 233﴾

وايحاءات هذا الطيف ـ والحصول على قروض ضخمة من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والحصول على رأس المال الضروري للانتاج من خلال تمهيد الارضية للاستثمارات الخارجية وتأسيس المناطق التجارية الحرة، ونظراً لان المحافل الدولية ليست على استعداد لمنح هذه القروض أو الاستثمار داخل البلاد دون شروط مسبقة، فلابد من غض الطرف عن الروح الثورية والتمسك ببعض الاصول والقيم ليتسنى لنا بلوغ مرامنا.

وينبغي التحلي بالمداراة والتسامح في الامور الثقافية ايضاً، اذ يمكن في مثل هذه الحالة دخول المجتمع الدولي ورسم صورة دولية حسنة لنا وإلاّ فان تمسكنا باصولنا ومبادئنا الثابتة من شأنه ان يبتلينا بالعزلة على الصعيد الدولي.

اذن لابد من التخلي عن الاصولية والتزام الاعتدال والليبرالية وتجنب الاتجاه اليقيني والتفكير المطلق الى الحد الذي لا نبدي معه ايّ تحفظ اذا ما شنَّ البعض هجوماً على الامور التي نعدّها من المسلّمات!! بينما يحتل اليقين موقعاً متميزاً في الاسلام وان اصحاب اليقين يتبوؤن منزلاً رفيعاً في آيات القرآن الكريم والروايات، وفي المقابل فان الشك واتجاه التشكيك ـ الذي يمثل الآن احدى قيم العالم الغربي ـ هو أمر مذموم ومحطة بغيضة في النظرة الاسلامية وان الثبات على اصول الاسلام ومسلّماته يُعدّ من أسمى قيم الانسان المسلم.

* * * * *

بناءً على هذا، فان مفاهيم من قبيل «التنمية السياسية» التي ربما تكون احدى ادوات الاعداء لاثارة الفرقة والتمهيد للقضاء على قيم الاسلام والثورة ومحو ما لدى الجماهير من حميّة دينية وثورية للعمل بالاضافة الى ضياع آخرة الناس، فهي تضيّع دنياهم ايضاً عبر جرف هذا الشعب ليرزح من جديد تحت سلطة الاجانب، من المناسب أن تُوضح بدقة متناهية من قبل الغيارى وان يقدموها بدافع الوصول لاهداف النظام الاسلامي، والعمل على الحيلولة دون استغلالها وذلك من خلال القيام بالاعمال التخصصية.

﴿ صفحه 234﴾

 

7 ـ اسباب انحراف بعض المثقفين المسلمين

سؤال: ما هي اسباب انحراف بعض المثقفين المسلمين؟

جوابه: للاجابة على هذا السؤال من الاحرى ان نتناول بالبحث اسباب انحراف المسلم وليس فقط المثقف:

ان ما يسمى اليوم بالانحراف والاعوجاج كان في عصر صدر الاسلام يحمل عنوان «الفتنة»، فالفتنة أو الانحراف أمرٌ يظهر في البداية على صعيد الفكر ومن ثم ربما يسري الى مقام العمل ويتجسد على شكل قتل وسفك الدماء وعدوان... الخ.

بناءً على هذا، فالانحراف أو الفتنة في البعد النظري هو الاساس والمصدر وما يظهر في العمل يعدّ نتيجة وحصيلة له، ولهذا فان القرآن الكريم يعتبر الانحراف الفكري (الفتنة) من الناحية القيمية اشدَّ سوءاً من الممارسات المترتبة عليه «... وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ»(1).

لقد أقدم الناس بعد رحيل النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله) ـ بالرغم من انهم كانوا قد تعلّموا منه المعتقدات والرؤية السليمة، وكانوا على استعداد إبان عهد النبي(صلى الله عليه وآله) لكافة أشكال التفاني والتضحية في سبيل الاسلام والمحافظة على نفس النبي(صلى الله عليه وآله)وشاركوا في مختلف المعارك تحت قيادته ـ أقدموا على ممارسات وأرسوا فتناً كان لها تأثيرات مضرة ومؤسفة ليس على مصير المسلمين وحدهم بل على مستقبل البشرية، تأثيرات حرمت المجتمع البشري من بلوغ السعادة لقرون طويلة، وتركت هذا التساؤل وهو: لماذا وقعت مثل هذه الفتن بعد النبي(صلى الله عليه وآله) وتمخضت عن هذه النتائج؟

انه السؤال الذي وجَّهه المسلمون في صدر الاسلام للامام علي(عليه السلام) فردّ(عليه السلام) قائلاً «إنما بَدءُ وقوع الفتن اهواءٌ تتّبع واحكامٌ تُبتَدع»(2).


1. البقرة: 191.

2. نهج البلاغة، الخطبة 50.

﴿ صفحه 235﴾

في هذا الحديث يحدد امير المؤمنين(عليه السلام) أمرين كسبب للانحراف (الفتنة) وهما:

1 ـ الهوى(1): وله اقسام يمكن الاشارة الى الولع بالمال والثروة وانواع النزوات من بينها.

من الاهواء التي ربما يمثل منطلقاً لاكثر المذاهب الدينية هو الرغبة والحب المفرط للشهرة والبروز الى الحد الذي يبذل المرء قصارى جهوده ويكلّف نفسه ضروب المشاكل ويحاول من خلال استهلاك نفقات طائلة لكي يحظى باهتمام ومودة الآخرين.

لقد كان الكثيرون على مرّ التاريخ ممن تجرعوا مشقة السجن وشدائده لسنوات مديدة وتحملوا التعذيب والنفي عسى ان يعثروا على انصار ينادون بالحياة لهم من قبيل ما نشاهده لدى بعض اقطاب الصوفيّة، فنظراً لان الغاية الحقيقية هي الحصول على المحبوبية والشهرة وهذا ما لا يتيسر الاّ بالكلام الذي يرضي الآخرين ويعجبهم، من هنا فان امثال هؤلاء لا مانع لديهم من قلب الحقائق وتزييفها بما يحقق لهم اهدافهم الى الحد الذي تشاهد بعض التناقضات في اقوالهم، ولتبرير هذه التناقضات يزعمون: ان كافة السبل مستقيمة وكل الآراء على حق فيصبحون انصاراً لما يسمى «السلام الشامل».

2 ـ احكام تُبتدع: السبب الثاني لظهور الانحراف والفتنة هو ما يثار تحت يافطة العصرنة «البدعة في الدين» وهو يتمخض عن السبب الاول، فيصف الامام علي(عليه السلام)هذين العنصرين على انهما منطلق انحراف الانسان، وهو(عليه السلام) في الحقيقة انما يوجه تحذيره بوجوب ان يُرسى البناء في تفسير الدين على التسليم وليس على الاهواء والاجتهادات الشخصية.

وبتعبير آخر، بمقدور الانسان ان يتعاطى مع الآيات والاحكام الالهية وفق


1. بشكل عام ان تلك المجموعة من النوازع والرغبات الانسانية التي تؤدي الى اضعاف الايمان أو سلبه أو عدم ظهوره أو تحول دون اكتساب الفضائل والقيم الاخلاقية تسمى «الاهواء».

﴿ صفحه 236﴾

نمطين: اولهما ان يذعن لما ورد في الآيات والروايات لبيان الاحكام الالهية ويعمل بها دون نقاش، وان يتبع المنهج الصحيح للاستنباط والاجتهاد في فهم مصادر معرفة الدين وهي الآيات والروايات، وثانيهما ان يقبل ببعض الامور ويؤمن بها سلفاً ثم يتجه لتفسير وتأويل الآيات والاحكام بتلك الافتراضات وعلى العكس من الاسلوب الاول يبادر لتأويل الآيات والروايات بما ينسجم مع فهمه وهواه وبدلاً من ان يتبع هو الدين والشريعة يكون الدين تابعاً له ويُفسَّر بما يتلاءم ورغبته، وحيثما لم تنسجم احكام الدين مع رغبته طرحها بما يرتضيه هو أو الآخرون.

هذه في الحقيقة هي البدعة في الدين التي انما تتبلور لتحقيق المصالح والحصول على المحبوبية واهتمام الآخرين وصياغة صنمية الذات لديهم، وتُقدَّم في اطار بيان جميل وكلمات بليغة براقة على انها «قراءة جديدة» للدين.

على أية حال ان العنصرين الذين تقدّم ذكرهما في كلام امير المؤمنين(عليه السلام) هما اصل انحراف «فتنة» كل مسلم وبالذات المثقفين، ولابد من التحرز عنهما اشد الاحتراز.

* * * * *

﴿ صفحه 237﴾

 

8 ـ ضرورة ترسيخ المعنويات

سؤال: ما هي اسباب انحسار المعنويات في اوساط الشباب؟ وما هو المنهج الصحيح في تبليغ الدين وصيانة الشباب ازاء شبهات المعاندين؟

جوابه: السبب في طرح هذا السؤال أن نزوع الشباب نحو المعنويات والقيم الدينية بلغ في غضون السنوات التي اعقبت انتصار الثورة الاسلامية وابان فترة الدفاع المقدس، حداً بحيث انهم كانوا يذودون عنها حتى الشهادة والتضحية، أما الآن وبعد مضي عدة سنوات فقد اخذ هذا النزوع بالخفوت ومن النادر العثور على ما سلف من معنويات.

في البداية نسوق مقدمة ومن ثم نتطرق للجواب الاساسي:

ان الانسان مخلوق يقع في باطنه تحت تأثير العواطف والاحاسيس، ويتأثر من الخارج بمؤثرات عديدة؛ وهذه المؤثرات الخارجية هي التي توجه عواطف الانسان واحاسيسه، وكلما كانت اكثر شدة ستكون اكثر قدرة على تحريك العواطف وعلى التوجيه ايضاً، ومن ناحية اخرى ان الحالات النفسية للانسان لا تتميز بثبات وضعها على الدوام وفي كل زمن بل هي عرضة للتقلبات بتغير الظروف، وقد قيل في علم الاجتماع: ربما تبلغ ظاهرة اجتماعية ذروتها في ظل ظروف بيئية معينة، بيد ان هذه الظاهرة ستضمحل مع ضعف اسباب اضطرادها.

الآن وفي ضوء المقدمة الآنفة الذكر، ندرج بعض الظروف الاجتماعية التي كانت سائدة خلال الفترة التي سبقت انتصار الثورة الاسلامية وما بعدها وكذلك خلال مرحلة الدفاع المقدس:

1 ـ حاكمية عملاء الغرب واستحواذهم على مقدرات البلاد.

2 ـ الاضطهاد وانعدام الحرية.

﴿ صفحه 238﴾

3 ـ تفشي التحلل.

4 ـ الاستعمار الثقافي وضياع الهوية الوطنية والدينية.

5 ـ التبعية الاقتصادية.

6 ـ مواجهة النظام البائد للقيم الالهية والدينية ـ بوصفها اهم سبب في انبثاق النهضة الاسلامية للشعب الايراني ـ.

7 ـ اغتيال الشخصيات الدينية البارزة والهجوم الشامل الذي شنّه الاستكبار على البلاد واستشهاد الشباب الاعزاء.

ان هذه الاسباب الى جانب نهضة التنوير التي تميز بها الامام الخميني(رحمه الله) قائد الثورة الاسلامية العظيم، هي التي دفعت الشعب لأن يتلمَّس خلاصه وسعادته حقاً في الالتجاء للدين والمعنويات والاقبال نحو الاخلاق الاسلامية والسلوك الديني يعززهم رافد فكري عملاق.

لقد بلغت هذه الروحية ذروتها إبان مرحلة الدفاع المقدس وادى استشهاد الشبيبة وأسرهم وتعويقهم في سبيل الدين والوطن الى مضاعفة رغبة وتعلق الجميع لاسيما الشباب بالعرفان والمعنويات، بحيث تحولت فترة انتصار الثورة الاسلامية ومرحلة الدفاع المقدس الى مقطع ذهبي من الاقبال نحو المعنويات والتقوى.

والسؤال الآن هو: لماذا خفتت هذه الحالة وانحسر التوجه نحو المعنويات؟

لو اردنا الحديث عن الاسباب الرئيسة المؤثرة في مثل هذه المعادلة، فبوسعنا الاشارة الى الامور التالية:

1 ـ تغير الاوضاع السائدة في المجتمع.

2 ـ انعدام الصورة الواضحة عن فترة انتصار الثورة ومرحلة الدفاع المقدس والاوضاع السائدة في المجتمع وقتذاك لدى جيل الشباب المعاصر.

3 ـ وجود المشاكل المعاشية والدراسية.

4 ـ مشكلة البطالة والزواج.

﴿ صفحه 239﴾

5 ـ تغير سياسة الاستكبار في مواجهته للنظام الاسلامي من الهجوم العسكري الى الغزو الثقافي واتخاذ هذا الغزو صوراً شتى منها إثارة الشبهات على صعيد القضايا العقائدية والبعد النظري للنظام الاسلامي، وذلك ما يأتي بعد الاخذ بنظر الاعتبار فقدان الشباب للرصيد الفكري الديني واستغلال عواطفهم واحاسيسهم.

هذه العناصر باجمعها ـ وفي ضوء ما ورد آنفاً من ملاحظة في علم النفس حول تقلب حالات الانسان ـ تتظافر معاً فتسوق رغبات الشباب وعواطفهم وميولهم نحو الماديات وتصدهم عن المعنويات.

ولكن الهاجس الرئيس هو ما الذي يتعين فعله كي يحصِّن الشباب انفسهم حيال الاخطار التي تهددهم في عقائدهم وقيمهم الدينية؟

يبدو ان انجع السبل هو ان يستثمر القائمون على الشؤون الثقافية في البلاد الجانب العاطفي خلال مرحلة الشباب غاية الاستثمار ويجعلوه قاعدة لترصين الطاقات الفكرية والعقلية للشباب ويعمّقوا فيهم المعرفة، فاذا لم يعزّز فكر الشباب وعقله بالادلة القوية يُخشى عليه ان يقع ضحية التآمر الثقافي للاعداء.

بناءً على هذا يتعين العمل من خلال تصنيف الكتب والمطبوعات الفكرية والثقافية من ناحية، ورسم الخطط وعقد الجلسات المنتظمة والتواصل المباشر ـ بحيث يتسنى للشباب طرح اسئلتهم والحصول على الجواب الشافي بيسر ـ لأن تتوفر الظروف الكفيلة برقي ما لدى الشباب من رؤى وافكار وتتحصن في مواجهة هجمات الاعداء.

وفي الختام ننقل لشبابنا الاعزاء ما يوصي به القرآن الكريم حيث يقول: «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ»(1).

ان بلاغ هذه الآية هو: يتعين على المسلمين تجنب الدخول في بعض الحوارات ماداموا لم يكتسبوا القدر الكافي من المعرفة الدينية، حيث لا يكونون قادرين على


1. الانعام: 68.

﴿ صفحه 240﴾

التمييز والنقد وتحليل قول الحق من قول الباطل، لان الاستماع أو مطالعة بعض الامور التخصصية التي يحاول الاعداء ومثيروا الشبهات تضليل الناس عبر التشكيك فيها، مما يترك أثره في القلب فيُزلَّ الانسان عن جادة الحق.

ان هذا القول ليس معناه بان لا يحق لأحد الاستماع لحديث المناوئين، بل المراد منه ان يحترز عنه مَنْ لم يحرزوا القدر الكافي من المعرفة بحيث يتمكّنون من النقد وتحليل الامور التخصصية. وبطبيعة الحال فان مثل هذه الدراسات والدخول في الحوارات سيكون مناسباً في حالة توفر الشروط الضرورية، بل يجب على الذين يمتلكون القدرة على النقد الاستدلالي للرؤى غير الاسلامية وبيان المعارف الدينية، ان ينهضوا للحيلولة دون تفشي الشبهات وتأثيراتها في المجتمع.

* * * * *

﴿ صفحه 241﴾

 

9 ـ الرقابة الاستصوابية

سؤال: ماذا تعني الرقابة الاستصوابية؟ وما هو موقعها العقلائي والقانوني؟

جوابه: بشكل عام تجري الرقابة على كيفية وحسن اداء المؤسسات القانونية والسياسية في أي بلد على نحوين: الأول استطلاعي، والثاني استصوابي.

الرقابة الاستطلاعية: وتُطلق على الرقابة التي يكون المشرف فيها مكلفاً باستطلاع ما ينجزه المنفذون، ومن ثم يقدّم كشفاً عمّا شاهده الى جهة اخرى دون ان يتخذ بنفسه أية خطوة عملية أو يقوم بتأييد طبيعة الاجراء أو رفضها.

ان هذا النمط من الرقابة ذو طابع معلوماتي بحت وهو في الحقيقة حقٌ لكافة ابناء المجتمع ايضاً، والاّ فلا فرق في ذلك من حيث عدم قدرة المشرفين على اتخاذ اي اجراء بحق المخالفات المتوقعة، مع رقابة سائر المواطنين.

الرقابة الاستصوابية: والاستصواب تشترك مع مفردة صواب في المصدر والاصل، والصواب تعني الصحيح في مقابل الخطأ، والاستصواب تعني عدّه واعتباره صائباً من قبيل القول: هذا العمل صحيح ولا اشكال فيه.

وتطلق الرقابة الاستصوابية اصطلاحاً على الرقابة التي يكون المشرف فيها حاضراً في كافة موارد اتخاذ القرار وعليه المصادقة على الاجراءات المتخذة للحيلولة دون وقوع أي خطأ أو سوء استغلال من قبل المنفذين.

 

أ ـ الموقع العقلائي والقانوني للرقابة الاستصوابية

هنالك مجموعة من الشروط الخاصة توضع في كافة دول العالم ومن قبل عقلاء الدنيا قاطبة للتصدي للمسؤوليات المهمة لكي تؤدى الواجبات المناطة بالمرء على احسن وجه، ولا تُهدر حقوق ومصالح المواطنين نتيجة لعدم كفاءة المسؤول المعيَّن

﴿ صفحه 242﴾

وفقدانه الاهلية.

من هنا فان ثمة شروطاً معينة توضع حالياً في اكثر الانظمة الديمقراطية في العالم تشمل الناخبين والمرشحين في الممارسات الانتخابية، ويحدد القانون مرجعاً رسمياً لممارسة الرقابة وتشخيص شروط المرشحين للانتخابات، ويتولى هذا المرجع الرسمي دراسة ظروف ومسيرة الانتخابات وتوفُّر أو عدم توفر الشروط الضرورية في المرشحين ـ وذاك ما ينتهي بالتالي الى المصادقة أو رفض اهلية المرشحينـ .

بناءً على هذا، فان الرقابة الاستصوابية أمر شائع وعقلائي وقانوني في كافة البلدان والانظمة القائمة في العالم، فمن الشروط المعتبرة ـ مثلاً ـ في جميع الانظمة الحقوقية في العالم ان لا يكون المرشح ذا سابقة جزائية، ويُحرم ذوو السوابق الجزائية السيئة من بعض الحقوق الاجتماعية من بينها الترشيح لمجالس اتخاذ القرار ولجان الانصاف والمجالس البلدية وغيرها.

ولكن هل يعني وضع مثل هذه الشروط سلب المواطنين حقهم في الترشيح؟

ينبغي القول: اذا ما اقررنا بان من لوازم الممارسة الصحيحة للحكم وجود اناس قديرين للتقنين واتخاذ القرار خلال الازمات الاجتماعية والسياسية، من الطبيعي اننا سنعتبر وجود مجموعة من المواصفات والقابليات والاحاطة بمقتضيات المجتمع ومصالح الشعب لدى المرشحين أمراً ضرورياً ولازماً، ونظير ذلك ان الترخيص بالتطبيب وافتتاح عيادة انما يُعطى فقط لأناس معينين يتمتعون بمعلومات والتزام كاف في أمر الطب، وهذا لا يعني أبداً سلب الناس حقهم في افتتاح عيادة، بل يعني على وجه الدقة المحافظة على حقوق ومصالح سائر المواطنين.

اذا ما كانت مثل هذه الشروط ـ وهي ربما تختلف باختلاف الانظمة وفقاً لطبيعة الرؤية والايديولوجيا التي تحكم النظام والدستور فيها ـ ضرورية بالنسبة للمتقدمين بالترشيح، فلابد من وجود مرجع يحرز توفر هذه الشروط لدى المرشحين ايضاً،

﴿ صفحه 243﴾

ففي حالة فقدان هذه الشروط باجمعها أو بعضها لدى أحد المرشحين فان هذا المرجع أو المؤسسة القانونية التي يرفع هذا المرجع الكشوفات لها يتولى رفض اهلية المرشحين الفاقدين لهذه الشروط.

وفي بلدنا ايضاً ـ شأنه كسائر دول العالم ـ حدد القانون مرجعاً يتولى الاشراف على موضوع الانتخابات ومؤهلات المرشحين للانتخابات، وقد أُلقيت هذه المهمة واستناداً للمادة التاسعة والتسعين من الدستور على عاتق مجلس صيانة الدستور(1).

في البداية تحرز وزارة الداخلية ـ بوصفها المنفذة للانتخابات ـ اهلية المرشحين، ثم يقوم مجلس صيانة الدستور ـ بموجب الدستور ـ بالاشراف على ما اذا كانت المصادقة على اهلية المرشحين أو رفضها حقاً أم لا، وهذه الرقابة المناطة بمجلس صيانة الدستور بموجب المادة التاسعة والتسعين من الدستور مطلقة وتشمل الاشراف على التصويت ومسيرة الانتخابات وكذلك اهلية المرشحين، وان تقييدها بمجرد الاشراف على التصويت يفتقر للدليل ويعدُّ تجاوزاً للمادة المذكورة من الدستور (99).

ولكن ما السبب في ان رقابة مجلس صيانة الدستور استصوابية وليست استطلاعية؟ استناداً للمبدأ العقلائي الذي يرى احراز صحة الانتخابات وتأييد او رفض اهلية المرشحين للانتخابات مهمة تنهض بها جهة رسمية وقانونية، وكذلك ضرورة وجود جهة قانونية لضبط اعمال المنفذين ـ وزارة الداخلية ـ لعلاج الاخطاء أو حالات سوء الاستغلال المحتملة من قبل القائمين على الانتخابات، فقد عيَّن الدستور مؤسسة رقابية كجهة رسمية تشرف على الانتخابات وعملية تشخيص مؤهلات المرشحين وعمل القائمين على الانتخابات، وهذه المؤسسة المشرفة هي


1. المادة التاسعة والتسعون من الدستور: يتولى مجلس صيانة الدستور الاشراف على انتخابات مجلس الخبراء ورئيس الجمهورية واعضاء مجلس الشورى الاسلامي وعلى الاستفتاء العام.

﴿ صفحه 244﴾

مجلس صيانة الدستور، ولم ينص الدستور على مؤسسة أو شخص آخر كمشرف أو مؤسسة يرفع اليها مجلس صيانة الدستور كشوفاته. اذن المشرف الرسمي والقانوني الوحيد هو مجلس صيانة الدستور، وحيث ان الرقابة العقلائية على التصويت وتشخيص اهلية المرشحين تستدعي تأييداً أو رفضاً ونقضاً عملياً ومؤثراً وهذه المزايا انما تتحقق في اطار الرقابة الاستصوابية فقط من هنا فان رقابة مجلس صيانة الدستور تكون رقابة استصوابية.

من ناحية اخرى، ان الدستور في مادته الثامنة والتسعين خوّل مجلس صيانة الدستور مهمة تفسير الدستور(1)، وقد فسَّر هذا المجلس كراراً «الرقابة» الواردة في المادة التاسعة والتسعين من الدستور بـ «الرقابة الاستصوابية».

وتجري هذه الرقابة ـ بطبيعة الحال ـ في اطار القانون وبموجب الشروط التي حددها القانون للمرشحين أو طريقة اجراء الانتخابات، ومجلس صيانة الدستور انما يتولى ـ في الحقيقة ـ التحقيق حول توفر الشروط المنصوص عليها في القانون لدى المرشحين وفي عمل القائمين على الانتخابات، وفي ضوء واجبه لن يصادق على اهلية المرشحين أو صحة الانتخابات إن لمْ يرَ توفر هذه الشروط.

 

ب ـ دوافع الاعتراض على الرقابة الاستصوابية

ما هو الدافع وراء الاعتراض على الرقابة الاستصوابية؟

في ضوء الموقع العقلائي والقانوني للرقابة الاستصوابية المقبولة والثابتة في كافة الدول والانظمة العالمية، يتبادر هذا السؤال وهو: لماذا ينبري البعض في خطاباتهم وكتاباتهم لمعارضة هذه الرقابة ويسعون لالغائها؟

ينبغي القول في معرض الاجابة: الحقيقة هي ليس ثمة تيار أو تنظيم سياسي في البلاد يرفض الرقابة، والسابقة العملية لبعض الذين يعارضون الرقابة الاستصوابية


1. المادة الثامنة والتسعون من الدستور: تفسير الدستور من اختصاص مجلس صيانة الدستور ويتم بمصادقة ثلاثة ارباع الاعضاء.

﴿ صفحه 245﴾

في الوقت الراهن تؤكد انهم كانوا قد مارسوا هذه الرقابة ودافعوا عنها بحماس اثناء تصديهم للامور، لكنهم الآن وبدافع سياسي ـ وليس بدافع ديني ووطني ـ ومن اجل تحقيق مصالحهم الفئوية والحزبية اخذوا يلجون باب المعارضة للرقابة الاستصوابية ليتسنى لهم زج من لا تتوفر فيهم الاهلية في مراكز اتخاذ القرار الحساسة في النظام،وعن هذا الطريق يحققون مآربهم الحزبية واغراضهم السياسية.

انهم يحاولون ـ مثلاً ـ اثناء انتخابات مجلس الخبراء إقحام من ليسوا بمجتهدين ـ اي الذين يفتقدون الاهلية من الناحية القانونية ـ في مجلس الخبراء ليبلغوا اهدافهم عن هذا الطريق، ونظراً لمعارضة مجلس صيانة الدستور ـ بموجب القانون ـ لرغبتهم غير العقلانية(1) والمنافية للقانون، فهم يحاولون الغاء الرقابة الاستصوابية ويدعون:

ان لمجلس صيانة الدستور حق الاشراف على مجرى الانتخابات فقط، وعليه ان يكون مخبراً عن مجريات الاحداث دون أن يمارس أي اجراء عملي ازاء المخالفات والممارسات المنافية للقانون.

ولكن الى مَنْ يرفع تقاريره يا ترى؟ وهل نصَّ القانون على جهة اخرى يقدم لها مجلس صيانة الدستور كشوفاته أم لا؟ هذه اسئلة لا يردّون عليها أبداً.

وتأتي هذه المعارضة احياناً من قبل المناوئين لحاكمية الاسلام واحكامه التي تُحيي الانسان في هذا البلد، وهم يسعون وتحت يافطة الدفاع عن «جمهورية» النظام الى إضعاف اسلاميته وعزلها، وبالغائهم للشروط المنصوص عليها بالنسبة للمرشحين للانتخابات والمترتبة على الميزة الاسلامية للنظام، يحققون عملياً مآربهم المنافية للدين والمعادية للشعب.


1. ان هذه الرغبة ليست عقلانية لان اعضاء مجلس الخبراء يتولون اختيار القائد والشهادة له بانه «فقيه ومجتهد» ونظراً لان تشخيص القدرة على الاجتهاد والفقاهة ـ وهي أمر تخصصي تماماً ـ لدى شخص ما يحتاج الى احاطة كافية بموضوع الفقاهة والاجتهاد، وهذا مما لا يتيسر الاّ عند من يتوفرون على نصيب من الاجتهاد، لذلك فان الاعتراض على شرط الاجتهاد في اعضاء مجلس الخبراء يعد أمراً ليس عقلانياً.

﴿ صفحه 246﴾

وهنا نورد ثلاث شبهات من بين الشبهات التي أثارها المناوؤن للرقابة الاستصوابية، ونردّ عليها ليتبين اكثر فقدان الادلة التي تتشبث بها هذه الفئة لأي اساس:

 

ج ـ شبهات حول الرقابة الاستصوابية

الشبهة الاولى والرد عليها

ربما يقال: ان القاعدة الأولية هي براءة الناس وهم صلحاء ما لم يثبت العكس. اذن لا داعي للتحري عن اوضاع الآخرين لاثبات اهليتهم وهو خلاف للقاعدة الاولية.

وفي معرض الاجابة لنرَ أولاً أين يكمن موقع أصل البراءة ليتضح من خلال ذلك ما اذا كان هذا المورد من موارد تطبيقات أصل البراءة أم لا.

يقول اصل البراءة: اذا ما اراد أحدٌ نسبة فاحشة لآخر ليعاقبه فعليه اثباتها، والاّ لا يتحقق اي اتهام استناداً لهذا الأصل ما لم يقم الدليل، وبالطبع اذا اقيم الدليل سقط اصل البراءة اذ ان «الاصل دليل حيث لا دليل» كما يقال.

بيد انه في المجال الذي يشترط فيه توفر مجموعة من المزايا والقابليات كشرط للانتخابات لا يمكن افتراض وجودها والكف عن التحري لاحرازها، وبتعبير آخر: ان أصل البراءة يثبت عدم وجود التهمة وليس الكفاءة والقابلية، فهل يصح ـ مثلاً ـ اعتبار كافة ابناء المجتمع مجتهدين على اساس اصل البراءة؟ وهل يمكن الحكم على اساس اصل البراءة لاثبات المهارات والقابليات المهنية؟ وهل تمنح الشرطة تراخيص السياقة لطالبيها على اساس أصل البراءة؟

اذا ما وُضعت شروط عقلية وقانونية لتولي المسؤولية في ابسط الامور وحتى اكثرها تعقيداً، فسيكون احراز تلك الشروط حتمياً ايضاً.

 

الشبهة الثانية والرد عليها

قد يصوَّر احياناً ان اشتراط «الالتزام بالاسلام وولاية الفقيه» للترشيح للانتخابات

﴿ صفحه 247﴾

نوع من تفتيش العقائد، وتفتيش العقائد ليس مسموحاً به أبداً.

ينبغي القول في الاجابة: ان تفتيش العقائد هو ان نؤاخذ شخصاً دون ما يستوجب ذلك وانما بسبب التزامه بعقيدة ما فقط، ولكن اذا كان التصدي لمنصب أو مسؤولية منوطاً بشرط معين فان التحقيق والتحري بشأنه ليس تفتيشاً للعقائد مطلقاً.

من هنا يجب التحقيق بشأن المرشحين للعضوية في مجلس الشورى الاسلامي ما اذا كانوا يتوفرون على شروط العضوية أم لا، انهم يؤمنون بالدستور ليتحركوا في اطاره خلال فترة عضويتهم أم لا؟ هل يلتزمون عملياً بالاسلام كي يعكفوا على سنّ القوانين في اطار موازينه أم لا؟

بناءً على هذا، على مَنْ يصبح نائباً ان يكون ملتزماً بالدستور وأصله المؤكد اي ولاية الفقيه، وملتزماً عملياً بالاسلام ـ ماعدا الاقليات الدينية ـ وهذا ليس تفتيشاً للعقائد بالمرة، فاذا ما عُدَّ وضع شروط للانتخاب وتأييد الأهلية تفتيشاً للعقائد فلابد من تخطئة الدستور نفسه في الكثير من الموارد، اذ ورد في الدستور: ينتخب رئيس الجمهورية من بين الرجال المتدينين السياسيين...، واذا ما اردنا التحقيق عمّا اذا كانت لهذا الرجل القدرة على تقبّل هذا المنصب المهم من الناحية الدينية والسياسية أم لا، يُفترض ان نُتّهم بتفتيش العقائد بينما الامر ليس كذلك.

ينبغي ـ بالطبع ـ الانتباه ان من رشَّح نفسه لمسؤولية أو منصب يتعين التحقيق والتحري بشأنه في ذلك المرفق ذي الصلة وحول الشروط الواجب توفرها للتصدي لذلك المنصب، ولكن لا ينبغي التدخل في الجانب السرّي من حياته مما لا علاقة له بالامر.

 

الشبهة الثالثة والرد عليها

يقال احياناً: من الافضل ان نترك الخيار للشعب نفسه مباشرة والمبادرة للتحقيق

﴿ صفحه 248﴾

بانفسهم ويختارون المرشح الذي يرغبون به بمزيد من الحرية متجاوزين بذلك الجهة الرسمية لاحراز اهلية الافراد.

 

الرد

الرد على هذه الشبهة التي تداف احياناً بمذاق يستهوي الناس ويرضيهم، هو كما يلي:

أولاً: ان قيام الناس بانفسهم بالتحقيق والتحري بين العدد الهائل من المرشحين واحراز توفر الشروط لديهم يقتضي استهلاك المزيد من الوقت والجهود وهذا متعذرٌ أو مستعص على اقل تقدير بابتلاء الناس بالمشاكل والاعمال، فمن اجل احراز عدم وجود سابقة جزائية لدى المرشح ـ مثلاً ـ هنالك حاجة لكثير من المراجعات ووجود جهاز فعال للغاية يلبّي الحاجة، ونظراً لكثافة عدد المراجعين ستمتد عملية احراز هذا الشرط لوحده شهوراً، واذا ما تقرر احراز هذا الشرط وبعض الشروط الاخرى والاعلان عنها من قبل المؤسسة التي تولّت تسجيل اسماء المرشحين ليصوِّت الشعب لصالح الحائزين لهذه الشروط دون ان يتحملوا العناء، في مثل هذه الحالة ستكون ذاتها الرقابة الاستصوابية لمؤسسة رسمية التي كان مثيروا الشبهات ينوون التنصل عنها.

ثانياً: لقد اثبتت التجربة جيداً ان الذين يمتلكون الاموال والامكانيات ويتمتعون بالكثير من الاساليب الدعائية وافضلها كانوا الاكثر نجاحاً في مثل هذه الحالات واستطاعوا من خلال دعاياتهم البراقة اخراج الأمر عن مسيره وشق طريقهم ـ أو من يؤيدون من المرشحين ـ الى المجالس ومراكز اتخاذ القرار أو المناصب التنفيذية ـ بالرغم من عدم توفرهم على المؤهلات التي تؤهلهم للتصدي للامور.

ثالثاً: يجب ان تُقرن حرية الشعب في الانتخابات مع المحافظة على حقوقهم، أي ان ابناء الشعب يتمتعون بحرية اكثر متى ما وجدوا راحة اكثر لضمان حقوقهم،

﴿ صفحه 249﴾

وستتدانى الحرية التي يتمتعون بها متى ما تصاعدت وتيرة الشك والغموض والقلق لديهم، ومن الواضح جداً ان الخيار فيما بين مجموعة تضم عشرة انفار يطمئن الانسان على صلاحهم جميعاً وبالتالي على ضمان حقوقه بانتخابه لايٍّ منهم اكثر سهولة وافضل بكثير من التخيّر بين مجموعة تضم الفَ شخص ليس هنالك معرفة أو ضمان بشأنهم.

بناءً على هذا، ان وجود هذا المصفى ـ الرقابة الاستصوابية ـ يمثل في الحقيقة عوناً وظهيراً للشعب من اجل انتخاب الافضل بكل حرية وبعيداً عن الشكوك والقلق.

 

د ـ اختلاف نظامنا عن سائر الانظمة ـ في مجال الرقابة

بعد ان اتضح نصُّ القوانين في كافة الدول والانظمة على مجموعة من الشروط للمرشحين لتبوء المناصب الحساسة، من المناسب هنا أن نسأل: هل يختلف نظامنا الاسلامي عن سائر الانظمة في هذا المجال؟

حريٌ القول في الاجابة: ان كل نظام يفرض الشروط تبعاً لطبيعة رؤيته وايديولوجيته وكذلك دستوره، ففي بلادنا حيث النظام الاسلامي هو الحاكم، واستناداً الى المادة الرابعة من الدستور يتعين ان تشرَّع القوانين في البلاد ـ سواءً الدستور أو سائر القوانين ـ على اساس موازين الشريعة الاسلامية المقدسة(1)، ومن ناحية اخرى يتعين ان يجري سنّ القوانين من قبل مجلس الشورى الاسلامي في اطار الدستور، من هنا فان المرشحين للعضوية في مجلس الشورى الاسلامي مكلفون بسنّ القوانين في اطار الموازين الاسلامية والدستور.


1. المادة الرابعة من الدستور: يجب ان تكون الموازين الاسلامية اساس جميع القوانين والقرارات المدنية والجزائية والمالية والاقتصادية والادارية والثقافية والعسكرية والسياسية وغيرها، هذه المادة نافذة على جميع مواد الدستور والقوانين والقرارات الاخرى اطلاقاً وعموماً، ويتولى الفقهاء في مجلس صيانه الدستور تشخيص ذلك.

﴿ صفحه 250﴾

وبطبيعة الحال، فان الذين يناوؤن اصل النظام القائم على الموازين والاحكام الاسلامية أو لا يعترفون بالدستور أو احد اجلى مبادئه واكثرها تأكيداً وهو «ولاية الفقيه»(1) لا يمكن ان يقع عليهم الاختيار كمسؤولين يتعين عليهم التحرك وسنّ القانون وتطبيقه في اطار الموازين الدينية والدستور وولاية الفقيه، وهذا أمر عقلاني وواضح تماماً. من هنا ورد النص في الدستور على الالتزام العملي بالاسلام والدستور على انه من الشروط الواجب توفرها في المرشحين للعضوية في مجلس الشورى الاسلامي، وان ارتكاب الامور التي تتنافى مع الاحكام النورانية في الاسلام من قبيل الامور التي تتنافى مع العفة والاخلاق ـ التي لا تعد جُرماً في الانظمة الالحادية والعلمانية ـ تعد جُرماً في النظام الاسلامي وتؤدي الى حرمان المرشح من بعض الحقوق الاجتماعية.

* * * * *


1. المادة الخامسة من الدستور: في زمن غيبة الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الامر وامامة الامة في جمهورية ايران الاسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بامور العصر، الشجاع القادر على الادارة والتدبير وذلك وفقاً للمادة (107).

﴿ صفحه 251﴾

 

10 ـ سبب سكوت القائد والمراجع ازاء بعض الانحرافات

سؤال: ألا يعد سكوت القائد وبعض مراجع التقليد ازاء بعض الانحرافات التي تبدر من بعض المسؤولين بين الفينة والاخرى، من مصاديق التساهل والتسامح؟

جوابه: للاجابة على هذا السؤال وامثاله من الاسئلة، لا مناص لنا من ايراد مقدمة موجزة:

بالرغم من ان الدين الذي ينشد الحق والعدالة يحظى بالقبول من لدن جميع الناس الباحثين عن الحق والعدالة على الصعيد الفكري والنظري، بيد ان مثل هذا الاجماع والقبول من قبل هؤلاء باجمعهم لا يُشاهد على الصعيد العملي. ان مساوقة السلوك والفعل مع كافة ما يريده الدين بواجباته ومحرماته أو الاذعان لما يقتضيه الحق والعدل لا يقترن على الدوام بالقبول العملي في الموارد التي تنتهي بضرر الناس، وان الكثير من البشر ينشدون العدالة مادامت لا تسبب لهم المنغصات.

من جهة اخرى ان المصالح والقيم في الاسلام ليست باجمعها على درجة واحدة من الاهمية والشأن بل هنالك افضلية في المرتبة والاولوية لبعضها على البعض الآخر.

واخيراً، فان الناس وفي ضوء مواقعهم الاجتماعية الخاصة بهم ليسوا سواء في تكاليفهم وواجباتهم، وان الاشخاص بالاضافة الى كونهم مكلفين بتحمل المسؤوليات بالتصدي للانحرافات سيتحملون مسؤوليات جساماً اخرى ايضاً بما يتناسب مع منزلتهم الاجتماعية، من هنا يأتي وضع شروط خاصة لتطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وان كل شخص مكلّف بالدفاع عن القيم الاسلامية بما يتلاءم مع موقعه الخاص به.

بناءً على هذا، ان ما يحظى باقصى مراتب الاهمية بالنسبة للجميع لاسيما القادة

﴿ صفحه 252﴾

الدينيين هو الحفاظ على اساس وكيان الاسلام، وان القائد ومراجع التقليد بما انهم قادة ومراجع لن يسكتوا وسيدقون نواقيس الخطر متى ما شعروا بان خطراً يهدد اصل الاسلام واحكامه النورانية.

ان القائد اذ يتولى رسم السياسات العامة للحكومة يقوم بعد تفصيل هذه السياسات بتكليف المسؤولين بتطبيقها ويُشرف على حُسن ادائهم، والمسؤولون ـ بوصفهم السواعد التنفيذية للحكومة ـ ملزمون بدورهم بتطبيق أوامر القائد وتعاليمه.

ومع هذا، فان المشكلة التي تعترض القادة الدينيين على الدوام هي طريقة التعامل مع الذين يعانون ضعفاً في فكرهم الديني ولا تتفق سيرتهم مع الرؤية الاسلامية، ولكن بما ان اهم شيء بالنسبة للقائد هو المحافظة على اساس الاسلام والنظام الاسلامي فلا مناص له من ان يكتفي بالتنبيه والنصيحة ازاء بعض الانحرافات، لان الموقف الصريح ربما يؤدي الى إضعاف اساس النظام اكثر مما يؤثر في تعزيزه. وهنا تُقدّم المصلحة الاهم وهي الحفاظ على اساس الاسلام والنظام على سائر المصالح التي تدفع القادة الدينيين لاختيار السكوت احياناً للمحافظة عليها.

وهذا النمط من السكوت لا يعني ـ طبعاً ـ التساهل والتسامح باي حال، وانما ينبئ عن تجرع الغصص والحفاظ على اساس النظام والاسلام، وبالامكان مشاهدة الصورة القاسية لموقف القادة الدينيين حيال انحرافات مسؤولي الحكم، في هذا الكلام لأمير المؤمنين(عليه السلام) حيث قال:

«فصبرتُ وفي العين قذى وفي الحلق شجى»(1).

اجل، فالقادة الالهيون يتحرقون ويذوبون كالشمع لئلا يبتعد ارباب الحكم أو ابناء الأمة عن صراط الهداية والكمال المستقيم.


1. نهج البلاغة: الخطبة الشقشقية.

﴿ صفحه 253﴾

ولكن على ابناء الشعب التحلي باليقظة، وبالاضافة الى التحلي بالبصيرة بالدين ومعرفة الظروف والاوضاع الاجتماعية والاشراف على عمل المسؤولين، لابدّ ان يكونوا على اُهبة الاستعداد للاستماع وتلقي توجيهات القائد ليميزوا الحق عن الباطل ويعملوا بتكليفهم الشرعي والثوري في الوقت المناسب.

* * * * *